إرهاصات اقتصادية

|
أحيانا تقع بعض الأحداث والتطورات الاقتصادية، التي بمفردها قد لا تشكل تيارا، ولكنها مجتمعة تنبئ عن تغير في البيئة العالمية وربما حتى منحنى التاريخ الاقتصادي، بل إن بعضها قد يؤثر آنيا في بعض تصرفاتنا وأهدافنا العامة والشخصية ماليا واقتصاديا.
في هذا الصدد لفت نظري ثلاثة تطورات مهمة، الأول عزوف أمريكي عن طروحات الشركات الصينية للأسهم في السوق الأمريكية ورغبة الصين في تعميق أسواق رأس المال في هونج كونج وشنغهاي، والثاني تمكن الاتحاد الأوروبي من إصدار سندات عامة تحت مسؤوليته المالية، وليس الدول على أثر تفاقم الحالة المالية لعدد من الدول في جنوب أوروبا، خاصة إيطاليا وإسبانيا على أثر تداعيات أزمة كورونا، والثالث تفاقم الحالة الاقتصادية لعدة دول في المنطقة العربية.
معظم التحولات الاقتصادية يأتي لأسباب مترادفة وظروف غير محسوبة حتى تصل إلى نقطة مفصلية، مرات يصعب حتى على المراقب، التوصل إلى قناعة بمدى الاختلاف والتغير، لأن التناقض في عملية التحول دائما موجود.
ربما أحد هذه التحولات تحدث اليوم في أسواق رأس المال، على أثر نجاح الاقتصاد الصيني، وكان لا بد من ارتقاء المنظومة المالية الصينية. وتطوير شنغهاي مركزا ماليا لن يأخذ مكان نيويورك قريبا، ولكن الحصة من السوق تتجه نحو تنامي دور شنغهاي، وهونج كونج كمصدر رئيس لتجميع الأموال واستثمارها. جاءت الخلافات التجارية بين أمريكا والصين لتتضافر رغبة الصين في الاستقلال من المنظومة الأمريكية مع نزعة أمريكا الحمائية. لعل أفضل مثال توجه السلطات الأمريكية الرقابية لمطالبة الشركات الصينية بمزيد من الشفافية والانكشاف الذي في حد ذاته موضوعي، ولكن أيضا حتمية التطور الصيني تجد تجاوزات. فبعد أن كان طرح "على بابا" في نيويورك أكبر طرح جاء طرح شركة علي بابا للمدفوعات كأكبر طرح في هونج كونج.
الثاني يظهر في توصل دول الاتحاد الأوروبي إلى إصدار سندات تحفيز ودعم لأول مرة تحت ذمة هيئة الاتحاد الأوروبي مباشرة، وليس الدول المكونة له بقيمة تصل إلى 750 مليار يورو على مدى ثلاثة أعوام، أغلبها لدعم دول جنوب أوروبا. هذا التطور مهم من عدة نواح، الأولى، أنها أول مرة تنهج منظومة الاتحاد الأوروبي بعدا ماليا بعد أن اعتمدت المنظومة على البعد النقدي، والثانية سياسية، إذ إن الضغط المالي على دول أوروبا الجنوبية بات يهدد الوحدة الأوروبية، والثالثة، أن هناك توجها لسوق سندات واعدة، إذ استمر التوجه لينافس سوق السندات الأمريكية، ويتكون "منحنى فائدة" لليورو. من المبكر الحكم على هذا التطور لأن سوق السندات الأمريكية ستستمر دون منافس على مستوى السيولة، التي تقدمه عالميا. أخيرا جاء برنامج المصروفات الجديد على حساب دعم برامج التحول في الطاقة، ربما خطوة تخدم الدول النفطية.
الثالث يظهر في مدى الصعوبات الاقتصادية، التي تعانيها منطقتنا، الصعوبات في لبنان وسورية واليمن وليبيا والعراق واليمن والسودان، وصلت إلى حد الحرمان لأعداد كبيرة من سكان هذه الدول بما تحمل من تأثيرات أمنية واقتصادية في الدول الأخرى. كذلك هناك دول أخرى تعاني، فمثلا تلاقي عمان صعوبة في اقتراض ملياري دولار بسبب تدني أسعار سنداتها في السوق، التي صنفت أنها رديئة، وليست تونس والبحرين ومصر في وضع أفضل بكثير. كذلك سجل الريال الإيراني أدنى مستوى تاريخي، إذ سجل نزولا بأكثر من 99.9 في المائة منذ الثورة، إضافة إلى تحديات مالية واقتصادية كبيرة مثل توقع إفلاس صناديق التقاعد العام المقبل، وتعاني تركيا حالة تضخم عارمة، وضغطا متواصلا على الليرة، وجفافا سياحيا مؤلما، خاصة أن 10 في المائة من الدخل القومي يعتمد على السياحة.
لا شك أن لأسعار النفط دورا مهما في حالة المنطقة ماليا، إذ لم يسلم أحد من التأثيرات. يشترك الأول والثاني في تزحزح الدور الأمريكي وليس بالضرورة مركزيته. حتى الثالث قد لا يخدم أمريكا بحكم العلاقة المختلفة مع النفط في اختلاف آخر عن الصين، إذ إن استفادة الصين أعلى من انخفاض أسعار النفط. هناك تحول اقتصادي عالمي، وتباعا سياسي من الغرب إلى الشرق ولو بعد حين، لعل السؤال في درجة التحول وسلم الزمن. التأثير في الدولار، والنفط وطرق التجارة والعلاقات الفنية والاقتصادية جدير بالمتابعة. ما يهمنا هو مصالحنا، فأكبر مستورد للنفط هي الصين وأغلب السلع تأتي من الصين، كما أن أمريكا دولة منتجة للنفط.
لكن أيضا لا تزال أمريكا في الصدارة، ولا يزال دورها في المنطقة أكبر، ولا يزال الدولار واللغة الإنجليزية والتحصيل التعليمي أهم من مثيلاتها الصينية أو الأوروبية.
إنشرها