قراءة تحليلية لميزانية الدولة الربع الثاني 2020

|
أظهرت مؤشرات أداء الميزانية العامة للدولة حتى الربع الثاني من العام المالي الجاري، تأثرا مرتفعا بآثار انتشار الجائحة العالمية لفيروس كورونا كوفيد - 19، شأنها في ذلك شأن جميع الماليات العامة لدول العالم، ما ترتب عليه انخفاض سنوي في إجمالي الإيرادات للدولة بنسبة 48.6 في المائة بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، وانخفاضها أيضا خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي 35.6 في المائة، قابل كل ذلك في جانب المصروفات الحكومية نسب انخفاض أدنى، عملا من السياسة المالية على دعم الاقتصاد الوطني، والمحافظة على استقراره، وهو ما تأكد من خلال ارتفاع التحفيزات الحكومية لمصلحة القطاع الخاص لأعلى من 216 مليار ريال خلال الربع الثاني فقط، عدا أشكال الدعم الأخرى للقطاع التمويلي ولنحو 60 في المائة من أجور العمالة الوطنية في القطاع الخاص، التي تجاوزت فواتيرها عشرات المليارات، ليسجل إجمالي المصروفات الحكومية خلال الربع الثاني انخفاضا سنويا 17.3 في المائة، وانخفاضا بنسبة أدنى عن النصف الأول من العام الجاري لم تتجاوز 8.3 في المائة.
وترتب على تلك التطورات المالية، وما تضمنته من تدابير وقائية وبرامج دعم وتحفيز عملاقة، أن سجل العجز في الميزانية ارتفاعا خلال الربع الثاني تجاوز 109.2 مليار ريال (33.5 مليار ريال عجز للربع الثاني 2019)، ولإحكام السيطرة على حجم الدين العام، فقد تم الاعتماد في تمويل العجز المالي للربع الثاني على السحب من الاحتياطيات الحكومية بما وصل إلى 44.6 في المائة من العجز، أي نحو 48.7 مليار ريال، بينما اقترض نحو 56 مليار ريال من السوقين المحلية والعالمية، ليستقر إجمالي الدين العام الحكومي مع نهاية الربع عند أدنى من مستوى 819.7 مليار ريال "أدنى من 27 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي"، الذي سجل بدوره نموا سنويا في إجمالي حجمه وصل إلى 30.6 في المائة، أي بزيادة سنوية بين رصيده في نهاية الربع الثاني من العام الجاري، مع رصيده في نهاية الربع الثاني من العام الماضي، وصلت إلى 192.0 مليار ريال (125 مليار ريال قروض محلية، 67 مليار ريال قروض خارجية).
وأظهرت تفاصيل الميزانية العامة في نهاية الربع الثاني 2020، انخفاضا سنويا لإجمالي الإيرادات بنهاية الربع الثاني 48.6 في المائة، لتستقر عند 133.9 مليار ريال، مقارنة بمستواها خلال الربع من العام الماضي نفسه عند أعلى من 260.7 مليار ريال، وتأثرت الإيرادات الحكومية بدرجة كبيرة بالانخفاض السنوي للإيرادات النفطية للربع الخامس على التوالي، الذي وصلت نسبته بنهاية الربع الثاني من العام الجاري إلى 45.3 في المائة، مستقرة عند مستوى 95.7 مليار ريال (174.9 مليار ريال الربع الثاني 2019)، كما سجلت الإيرادات غير النفطية نسبة انخفاض أكبر، وصلت إلى 55.4 في المائة، لتستقر عند مستوى 38.2 مليار ريال (85.8 مليار ريال الربع الثاني 2019)، وتأثر هذا البند من الإيرادات غير النفطية بالتراجع القياسي، الذي طرأ على الضرائب على السلع والخدمات، التي سجلت انخفاضا سنويا وصل إلى 71.1 في المائة، لتستقر عند أدنى من 10.6 مليار ريال (36.5 مليار ريال الربع الثاني 2019). وجاءت نتائج النصف الأول في الاتجاه نفسه، لكن بنسب انخفاض أدنى، حيث انخفض إجمالي الإيرادات 35.6 في المائة إلى 326.0 مليار ريال، مقارنة بأعلى من 506.1 مليار ريال للفترة نفسها من العام الماضي، وانخفضت الإيرادات النفطية للفترة نفسها 34.7 في المائة إلى 224.5 مليار ريال (344 مليار ريال للنصف الأول 2019)، بينما انخفضت الإيرادات غير النفطية للفترة نفسها 37.4 في المائة إلى 101.5 مليار ريال (162.1 مليار ريال للنصف الأول 2019).
في المقابل، سجل إجمالي المصروفات الحكومية خلال الربع الثاني من العام الجاري انخفاضا سنويا 17.3 في المائة، ليستقر بنهاية الربع الثاني عند أدنى من مستوى 243.2 مليار ريال (30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، مقارنة بنحو 294.2 مليار ريال نهاية الربع الثاني 2019 (31.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، وجاءت أعلى نسبة للانخفاض ضمن بنود المصروفات على حساب بند المنافع الاجتماعية، التي سجلت انخفاضا سنويا 48.1 في المائة، بينما سجل كل من الإعانات والمنح ارتفاعا للفترة نفسها، بنسب بلغت 36.5 في المائة و268.6 في المائة على التوالي، كما سجل بند نفقات التمويل ارتفاعا سنويا للفترة نفسها 26.6 في المائة، وانخفضت خلال الفترة نفسها النفقات الرأسمالية 52.1 في المائة، لتستقر بنهاية الربع الثاني عند أدنى من مستوى 29.3 مليار ريال (61.1 مليار ريال للربع الثاني 2019).
أما على مستوى تحرك المصروفات الحكومية خلال النصف الأول من العام الجاري، فقد سجلت انخفاضا سنويا 8.3 في المائة، لتستقر بنهاية الفترة عند أدنى من مستوى 469.4 مليار ريال، مقارنة بمستواها نهاية الفترة نفسها من العام الماضي عند 511.8 مليار ريال، جاء بند السلع والخدمات كأعلى البنود نموا خلال الفترة 19.7 في المائة، ليصل إلى أعلى من 61.9 مليار ريال بنهاية النصف الأول 2020، مقابل انخفاض بند المنافع الاجتماعية بأكبر نسبة بلغت 39.2 في المائة، مستقرا عند 27.6 مليار ريال.
لقد عكست التطورات الأخيرة لأداء الميزانية العامة للدولة، على الرغم من الصدمة الكبيرة التي تسببت فيها الجائحة العالمية لانتشار فيروس كورونا كوفيد - 19، قدرة جيدة على امتصاص آثار تلك الصدمة، وتخفيف حدتها عن الاقتصاد الوطني بشكل عام، والقطاع الخاص والمجتمع بصورة أكثر تحديدا، كما خففت إلى حد كبير التوافر الجيد للاحتياطيات الحكومية من حدة الارتفاع في حجم الدين العام، والاعتماد على السحب منها، كما حدث خلال الربع الثاني 2020 لتمويل ما نسبته 44.6 في المائة من حجم العجز المالي، وأسهمت أيضا في استمرار ضبط حجم الدين العام والسيطرة عليه، والمحافظة أيضا على المستويات اللازمة للإنفاق الحكومي لدعم النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، لما يمثله حتى تاريخه من دور بارز في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، والعمل على تحقيق التنمية الشاملة المستدامة للاقتصاد والمجتمع، على أن يستمر العمل لاحقا بعد انحسار آثار انتشار هذه الجائحة العالمية، على تخفيف الاعتماد الكبير للاقتصاد والقطاع الخاص على الإنفاق الحكومي مستقبلا، والإسراع مقابل ذلك على زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.
إنشرها