جدة .. متحف مفتوح على العالم

|
تضطلع وزارة الثقافة مشكورة بتنفيذ مشروع الأمير محمد بن سلمان لإعادة النضارة في منطقة جدة التاريخية، وواضح من خلال زيارتنا الميدانية للمشروع أنه سينقل جدة إلى مصاف المناطق السياحية الأهم في العالم.
والواقع أن جدة تستحق هذا المشروع، بل تستحق أكثر من هذا المشروع حتى تنضم بجسارة إلى مصاف المناطق السياحية العالمية ذات الخصائص المتفردة.
ونستطيع القول إن المشروع بدأ حينما قامت وزارة الثقافة مع أمانة مدينة جدة مشكورتين في عام 2018 بتنفيذ مشروع ترميم بعض بيوت جدة التاريخية بقصد حمايتها من الانهيار، ونجحت الوزارة والأمانة في حماية كثير من المباني من الانهيار، لكن المشروع اليوم يتطور إلى مشروع تراثي سياحي عالمي يتمثل في إعادة الروح إلى التراث العمراني الذي سبق أن تربع في قائمة التراث العمراني العالمي، بمعنى أن مشروع الأمير محمد بن سلمان سينقل جدة إلى مرحلة تأهيل تراث جدة العالمي ليكون واحة سياحية تتمتع بكل مقومات السياحة التراثية.
حقيقة، جدة تحتاج إلى مشروع تراثي وثقافي عالمي لتكون واحدة من أهم الواجهات السياحية والثقافية والتعليمية والترفيهية مستفيدة من موقعها التاريخي والجغرافي وثقافتها المتميزة، وما تحتضنه من مواقع تراثية أهمها مقبرة أمنا حواء، ومسجد الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، ومسجد الشافعي، ومسجد عكاش، ومسجد المعمار، ومدرسة الفلاح.
إن جدة تستحق أن تكون مرحلة جديدة وفريدة في المشاريع الإنشائية والتصاميم التراثية وفق أحدث المعايير الحضرية والبيئية الرامية إلى تأهيل المواقع التاريخية والتراثية، لإقامة نمط حياة استثنائي للسياح والضيوف والزوار، ولذلك نحن نحلم بأن يكون مشروع جدة التاريخية مستوعبا لنحو 30 مليون سائح وزائر سنويا.
إن جدة التاريخية تحتاج إلى عمليات تطوير وتأهيل وتجميل وتحسين للبنية التحتية، وكذلك تحسين نوعية الحياة لمجتمع يتجدد في مدينة تجدد تراثها وشوارعها القديمة ذات النمط التاريخي بمناظر طبيعية لها مسارات للدراجات، ومسارات لركوب الخيل مع إطلالات ومناظر مميزة، وواحة للفنون بحيث تعد واحدة من أهم مراسم الفن الحديث، ونتوخى أن يشمل المشروع مواقع مفتوحة للاستمتاع بكثير من المناظر التراثية التي تتمتع بها هذه المدينة البهية الفتية الذكية.
إن العمارة في جدة التاريخية كائن حي يجب أن نعيد إليها الروح والحياة، وحينما يكتمل تنفيذ مشروع الأمير محمد بن سلمان التراثي العالمي الكبير، فإنه يعيد إلى المكان الغابر روحه وحيويته وكينونته، فنسمع بين الأزقة حفيف الطراوة وانسياب الهواء، ونشاهد ظل البشر وهم يتجولون بين المنعطفات، ويذرعون الشوارع، ويعيدون الحياة إلى الأمكنة القديمة والأسواق العتيقة، والمساجد الخيرة، والأندية الرياضية والمدارس التعليمية.
بمعنى نتوخى أن نشاهد في المشروع عبقرية المكان وروح ذلك الزمان الجميل، ونستعيد جمالياته وعظمته، نستحضر روح الناس السابقين ونترسم بيوتهم وبناياتهم، نريد أن نرى خيالهم، وهم يجلسون في المقاهي ويتحاكون في شجونهم وشؤونهم.. نريد أن نرى ماضينا ماثلا في حاضرنا، نريد أن نستشف الماضي في الحاضر ثم في المستقبل.
إن مشروع الأمير محمد بن سلمان التراثي السياحي في جدة التاريخية بمنزلة إعادة الروح إلى منظومة بيوت جدة التاريخية وحاراتها الأربع، المظلوم، الشام، اليمن، والبحر، ولذلك نحن نتوخى أن نرى عبقرية العمدة وهو يلبس عمامة الحكومة ويضع كل أرجاء الحارة في قبضته، فيفرض هيبته وينشر الأمن والأمان في كل أرجاء الحارة، نريد أن نرى عبقرية الروشان، يحتل مقدمة المبنى، ويخلخل الهواء البارد في الغرف كما المكيفات العصرية، نريد أن نرى الأزقة وهي تستنشق الهواء البارد وتتقاسم الطراوة بحب واحترام، نريد من بيوت جدة التاريخية أن تفتح صدرها وتتجه إلى أسواق وشوارع الحارات الأثيرة الحارات الأربع "المظلوم، الشام، اليمن، البحر"، نأمل أن نرى البيت الجداوي وهو يطل على الشارع والسوق ثم يدفع الناس إلى الخروج والشراء ليزيل الركود من الأسواق وينشر الرخاء في كل مكان، نريد أن تتحدث أبواب البيوت بكل فخر عن عدد الزوار الذين دخلوها والذين خرجوا منها يوميا لتعبر الأعداد عن حجم التواصل بين الناس، نريد من بيوت جدة أن تتحدث عن تاريخها منذ أن كانت حجرا منقبيا، حتى بلوغها الأدوار الأربعة، نريد من بيوت جدة أن تزهو بماضيها الخالد، وأن تكون لها طلة تستشرف المستقبل الواعد في ظل مشروع سياحي شامل ورائع.
نأمل أن نرى الأسواق المكتظة بالناس وهي تعبر عن حجم النشاط الاقتصادي لمدينة متجددة دائما لا تعرف الركود والضمور، نتوخى أن نرى في مشروع الأمير محمد بن سلمان في جدة التاريخية المساجد العتيقة وهي تستقبل المؤمنين وهم يؤدون الفروض الخمسة في انتظام، ثم يخرجون من المساجد بعد أن غسلوا ذنوبهم ونظفوا سرائرهم من أردان الحياة، كذلك نريد في مشروع الأمير محمد بن سلمان في جدة التاريخية أن نرى المدارس وهي تفتح جوفها منذ الصباح الباكر لاستقبال الطلاب الذين يتمنون أن ينهلوا منها أهم العلوم الدينية والدنيوية.
إن مشروع الأمير محمد بن سلمان في جدة التاريخية سيكون واحدا من أهم مشاريع المواقع السعودية التراثية التي ستبهر كل السياح والزوار.
إنشرها