الجدوى بوصلة الاستثمارات

|

 
يعد صندوق الاستثمارات العامة السعودي في مفهوم المنظومة الاقتصادية عاملا رئيسا في تحقيق رؤية المملكة 2030، ولا سيما على مستوى تنويع الدخل الوطني، عبر تخفيف الاعتماد على النفط. كما يعد قوة ومحركا للاستثمار، وأيضا الجهة الاستثمارية ضمن الأكثر تأثيرا على مستوى العالم.

ومن هذه الزاوية، تم دعم إطلاق قطاعات وفرص جديدة تساعد على رسم ملامح مستقبل الاقتصاد العالمي ودفع عجلة التحول الاقتصادي السعودي. ونجح الصندوق بفاعلية متناهية خلال الفترة الماضية في تعظيم وتعزيز العائدات المستدامة ورسخ فعليا، من خلال صفقاته التي حققها، مفهوم الشريك الاستثماري المفضل عالميا. ويهدف الصندوق دائما إلى إبرام صفقات استثمارية كبيرة، كما حققها في مجالات الطاقة، ويهدف إلى الدخول بقوة في مجالات مثل الطيران والنفط والغاز والترفيه.

وفي تحرك لافت على الساحة الاستثمارية، تمكن صندوق الاستثمارات العامة في الآونة الأخيرة من اقتناص عدد من الفرص الاستثمارية المتنوعة محليا ودوليا، نوعت محفظته الاستثمارية في قطاعات وأصول عدة على امتداد جغرافي واسع.

حيث نشط الصندوق مستفيدا من تراجع القيمة الاسمية والسوقية للشركات ومؤسسات دولية، جراء الأزمة الراهنة في الاقتصاد العالمي، الناتجة من تفشي فيروس كورونا، واشترى حصصا في شركات عالمية في مجال الطيران والمصارف وشبكات التواصل الاجتماعي والترفيه. ومن خلال هذه المعطيات، التي تم ذكرها، واكب صندوق الاستثمار، الفكر الاستثماري العالمي، الذي تغير تماما منذ أحداث الأزمة المالية العالمية.

لقد شهدنا خلال العقد الماضي تقلبات هائلة جدا، وأصبح الفكر الاستثماري مرتبطا أكثر بنواح عدة، من أبرزها السرعة، وأصبحت المقولة الأكثر شهرة اليوم إن السريع يلتهم البطيء، وذلك لأن الفرص الاستثمارية أصبحت آنية في ظل وجود صناديق استثمارية عالمية كبرى تراقب كل فرصة. لذا، لن تنتظر الفرص كثيرا، كما أن العوائد تتغير بشكل سريع مع تقلبات أسعار العملة وأسعار الفائدة، وبقاء الأموال مجمدة في انتظار الصفقة المناسبة، يعني ضياع عوائد لا يمكن استدراكها.

وصندوق الاستثمارات السعودي يضع نفسه اليوم واحدا من أبرز صناع الفكر الاستثماري الحديث، ويقود التوجهات العالمية، ولهذا فإن كل قرار يتخذه الصندوق هو محل استقطاب كبير. وفي ظل هذه المفاهيم الاستثمارية، أعلنت المجموعة الاستثمارية، التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، انسحابها الرسمي من إجراءات الاستحواذ على شركة نيوكاسل يونايتد المحدودة ونادي نيوكاسل يونايتد لكرة القدم، وأكد البيان الرسمي أن الانسحاب يأتي بسبب طول الإجراءات مدة أطول من المعتاد. وهنا، يؤكد صندوق الاستثمارات العامة أنه مؤسسة استثمارية تقوم على أسس تجارية في المقام الأول، وأن العوائد هي التي توجه القرار الاستثماري، فالوقت له قيمة، والفرص كثيرة، خاصة مع ما أفرزته جائحة كورونا من تهديد لكثير من الشركات العالمية الكبرى ذات الاسم التجاري العريق.

وكان صندوق الاستثمارات العامة محقا في الانسحاب في هذا الوقت، فالصفقة التي بدأت محادثاتها منذ نيسان (أبريل) الماضي، أخذت وقتا أطول مما ينبغي، خاصة في ظل تقلبات كثيرة في هذا القطاع بالذات، وتغيرات في الأنشطة المصاحبة، له نظرا إلى هذه الجائحة. ولأن الصندوق السعودي يسعى إلى تعظيم أرباحه، وعملية الاستثمار في النادي بعد إتمام الصفقة ستأخذ وقتا أيضا قبل عودته إلى منصات التتويج، فإن مضي كل هذا الوقت في محادثات يبدو أنها لن تنتهي قريبا، جعل العوائد التجارية أقل مما يجعلها قادرة على تحقيق مستهدفات الصندوق، وهذا عجل بقرار الانسحاب.

من الجدير بالذكر، أن المجموعة الاستثمارية التي تعمل مع الصندوق السعودي في عملية الاستحواذ على النادي الإنجليزي، تضم خبراء لهم باع طويل في عالم الرياضة والأندية البريطانية، ويدركون حجم تخوف الأندية الأخرى من عملية استحواذ الصندوق السعودي على النادي الإنجليزي العريق في تاريخه، الذي لم يحقق إنجازات تذكر خلال المواسم الماضية، نظرا إلى ضيق الأفق الاستثمارية، في ظل مفهوم الرياضة الذي يعتمد على أن هذا النشاط أصبح وجهة اقتصادية مهمة، ولن ينمو ويزدهر إلا في ظل وجود محرك وقوة استثمارية تستطيع أن تدعم لتحقيق الأهداف الرياضة المطلوبة، ودعم قاعدة الرياضية بتوسيع حجم المشجعين، وجلب أفضل اللاعبين المحترفين الذين يحتاجون إلى مبالغ كبيرة لعقد صفقات وعقود احترافية لتحقيق السمعة المطلوبة للنادي. ومن هذه المفاهيم، فإن المجموعة الاستثمارية الجديدة بقيادة الصندوق السعودي، تدرك ماذا عليها أن تعمل، وقدمت للنادي العريق خططا واضحة، وأجابت عن الأسئلة المطرحة كافة، وأن المجموعة ستعيد النادي إلى المنصات، وستستثمر المزيد في النادي وفي المدينة الإنجليزية.

ومع القلق الذي ساد الأندية الأخرى، طالت المحادثات بشكل جعل الاستثمار غير مجد مع طول التأخير، ما يعقد عملية إعادة الفريق فيما بعد، خاصة في الموسم المقبل، الذي يعد أهم موسم للمستثمر الجديد، فالوقت مضى تقريبا فيما يتعلق بقرارات الانتقال وصفقات اللاعبين، واتخذ الجميع مواقفهم الاستثمارية، وأصبح من الصعب إيجاد موقف جيد يدعم العملية الاستثمارية العام المقبل، ما يعني تأخيرا قد يصل إلى عامين، وهي مدة طويلة جدا لصندوق يسعى إلى تعظيم أرباحه، في ظل توافر فرص اقتصادية كثيرة - كما أشرنا. لقد اتخذ الصندوق السعودي ومعه المجموعة الاستثمارية، قراره بالانسحاب، في وقت كان أنصار النادي ومجتمع نيوكاسل يعولون على هذه الصفقة كثيرا في إنقاذ النادي والعودة به إلى المسار الصحيح، حيث صاحب هذه الصفقة وقت إعلانها منذ البداية، ترحيب محبي النادي بها. ومع حجم الإحباط الذي عم الأجواء الرياضية هناك وكل محبي النادي ومجتمع نيوكاسل، التي نشرتها وكالات الأنباء والصحف البريطانية، وجه الصندوق السعودي رسالته لمحبي النادي وأنصاره، يؤكد فيها أنه المجموعة الاستثمارية التي تعد مستقلة، وتعمل على أساس تجاري واستثماري، تعمل على بناء القيمة للنادي ومشجعيه والمجتمع المحلي في نيوكاسل، لكن تطبيق القواعد التجارية والاستثمارية على هذه الصفقة، هو الذي يجعل الصندوق يعلن الانسحاب، من منطلق أن الرؤية لم تعد واضحة حتى بشأن الأنشطة في الموسم المقبل، وهو ما ينبئ بعدم الاستقرار الاقتصادي لهذا القطاع الحيوي.

إنشرها