السعودية ومسؤولية الحج ونجاحه

|
في هذا الوقت العصيب وفي مرحلة بلغ فيها وباء كوفيد - 19 ذروته يشهد موسم الحج تعاملا استثنائيا مع هذه الجائحة، حيث إن القرار مكن من استمرار موسم الحج، لكن في الوقت نفسه يراعي الحد من انتشار هذا الوباء الذي انتشر بشكل واسع حول العالم، وخطورته كبيرة على كثير من الدول الإسلامية التي يعاني بعضها ضعف منظومتها الصحية، إضافة إلى أن هذا المرض لا يزال يفتك بكثير حول العالم، حيث لا يوجد له علاج أو لقاح، ما يعني أنه يمكن أن يستمر في الانتشار طويلا في دول العالم لفترة قد لا تكون قصيرة، واقتصر الحج على قاطني المملكة سواء من المواطنين أو من الأخوة المقيمين، ما يحقق العدالة في التعامل ووجود تمثيل فعلي من مختلف دول العالم.
سيناريو فتح المجال للحج للمقبلين من مختلف دول العالم فيما لو تم لكان كارثيا - والله أعلم - ليس على دولة أو مجموعة دول، بل على جميع دول العالم، فلنتخيل أن شخصا حضر بين ما يقارب ثلاثة ملايين حاج في ظل استحالة التباعد الاجتماعي خلال أداء مشاعر الحج وانتشر الوباء من خلال مجموعة من ضيوف الرحمن وتنقلوا بين مجموعة من المطارات إلى أن يصلوا إلى ديارهم، فكم من الممكن أن يكون هناك من شخص معرض للإصابة بالوباء حول العالم، مع العلم أن ما يقارب مليوني حاج يصلون من خارج المملكة، فلا شك أن ذلك من الممكن أن يؤدي إلى كارثة وأن يتضاعف عدد المصابين، ويكون هنا قيود في التعامل مع المسلمين المقبلين من العمرة أو الحج خوفا من نقلهم هذا الوباء الذي أصبح حديث العالم، وقد يؤثر في إساءة فهم المجتمعات من مختلف دول العالم للإسلام بعقيدته وتعاليمه السمحة التي جعلت منه الدين الأكثر انتشارا حول العالم.
التصريحات المتضاربة والآراء غير المسؤولة من بعض الأشخاص وفق أهوائهم، أو لإرضاء أطراف لديها مواقف سلبية وغير عادلة ومتحاملة على المملكة، تسيء إلى من يتبنى تلك المواقف، وتؤكد الحكمة التي تتحلى بها المملكة في قراراتها بما يحقق المصلحة للمجتمعات المسلمة، حيث إن بعض الدول الإسلامية عمليا اتخذت قرارا سبقت به المملكة في عدم التصريح لمواطنيها بالذهاب للحج خشية انتشار وباء كوفيد - 19 بشكل واسع بين مواطنيها، وبناء عليه وللمصلحة العامة للمجتمع المسلم اتخذت المملكة قرارها الذي يحقق مقاصد الشريعة باستمرار شعيرة الحج والحرص على سلامة ضيوف الرحمن، ولو أن المملكة تسعى إلى تحقيق مصالح اقتصادية لفتحت باب العمرة والحج على مصراعيه مع إدارة حازمة بما لا يؤدي إلى انتشار الوباء محليا، لكن الشعور بالمسؤولية جعل المملكة تتخذ قرارا جريئا يهدف إلى تحقيق المقاصد الشرعية، فمن لم يحج هذا العام فالفرصة قائمة له في الأعوام المقبلة، ومن توفي قبل أن تتحقق له الفرصة مع عزمه على أداء الحج، فمن خلال ما تعلمناه من المعاني الشرعية أن من كانت له نية لفعل طاعة من الطاعات وحصل مانع قاهر لا يستطيع معه أداء العبادة أو كانت هناك رخصة لذلك، فالثواب حاصل له - بإذن الله - دون أن يتكلف جهدا أو مالا، والأدلة على هذا المعنى معلومة.
الحقيقة أن مظهر الحجاج لهذا العام وهم يؤدون مناسك الحج مبهر لكل من يراه، فالالتزام التام والانضباط والتزام التعليمات مبهر يؤكد وعي كثير من أبناء المجتمع المسلم، إضافة إلى الإدارة لهذه الحشود التي أخذت على عاتقها مسؤولية سلامة وراحة ضيوف الرحمن. وهذا المشهد يؤكد سماحة الإسلام ومراعاته للمقاصد، التي تهتم بالإنسان الذي هو عماد عمارة هذا الكون، وسلامته أمر اهتمت به الشريعة الإسلامية وهو دلائل رحمة الله به الذي كرمه وأعلى شأنه على سائر خلقه سبحانه وتعالى.
فالخلاصة أن الشريعة الإسلامية اهتمت بالإنسان، والعناية بالإنسان المسلم هو ما يؤدي إلى تحقيق مقاصد الشريعة التي من أهمها حفظ الدين، فكلما كان الإنسان صحيحا سليما تمكن من عمارة الأرض وعبادة المولى - جل وعلا -، ولو تمت إتاحة الحج للجميع هذا العام لأدى ذلك - والعلم عند الله - إلى انتشار الوباء في العالم، ولما تمكن كثير من المسلمين من أداء الحج مستقبلا، وأدى إلى حالة من رهبة السفر لأداء شعيرة الحج والعمرة، فما تم هذا العام دليل على الإدارة بمسؤولية من قبل حكومة خادم الحرمين الشريفين.
إنشرها