المملكة ونموذج حج عام ١٤٤١

|
كل عام وأنتم بخير، والأمة الإسلامية جمعاء، ونسأل الله أن يعيد هذا العيد وقد من الله علينا وعلى البشرية جمعاء بنعمة زوال هذا الوباء، الذي غير معالم الحياة، التي ألفناها، وغير مفاهيم الاقتصاد وفرض قيودا على الحياة، ومع ذلك، فإنه وعلى الرغم من خطورته وشدة بأسه إلا أن ذلك لم يمنع السعودية من أن تقيم الركن الخامس من أركان الإسلام، وسيسجل التاريخ، وبأحرف من ذهب في باب، عندما تغلبت السعودية على فيروس كوفيد - 19، وأقامت شعائر الحج في درس للأجيال، سيظل ما بقيت الكعبة والحجر، وما بقيت عرفات والمشعر.
ونحن في اليوم الأول من أيام التشريق، وقد من الله على من اختصهم بالحج هذا العام بنعمة السلامة والأمن والصحة والعافية، وبهذه المناسبة أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، على نجاح الحج هذا الموسم الاستثنائي بكل المقاييس. وعندما نقوّم نجاحا، فإن ذلك لم يكن سهلا، بل لعل موسم هذا العام كان واحدا من أصعب المواسم تنظيما، فلقد كانت المواسم السابقة تعاني تضخم أعداد القادمين، وكانت معاناة التنظيم تأتي من قبيل منع الازدحام، الذي قد يشكل تهديدا لحياة الناس، لكن اليوم، فإن التهديد يأتي من عدو خفي، عدو قد يأتي في أي شكل وصورة، يهدد حياة الحجاج وصحتهم وحياة العاملين في الحج، عدو لا يفتأ يهاجم الإنسان بضراوة مهما بلغت الاحترازات منتهاها، ولأن المملكة دائما وأبدا ترفع شعار أمن الحجاج كأولوية أساسية، وتضحي بكل غال ونفيس من أجل ذلك، فإن المعركة مع هذا العدو ليست بالمال ولا بالعدد، إنما من خلال تطبيق بروتوكولات صحية بطريقة عملية تضمن أمن الجميع من هذا المتربص، وفي الوقت نفسه، تسير شعائر الحج بكل يسر وسهولة. إنه تحد لم يسبق أن سجل التاريخ الإسلامي ولا حتى الإنساني تحديا مثله، والسجلات فارغة من تجارب يمكن الاهتداء بها أو تجنب أخطائها.
لقد كان من السهل جدا أن يتم اتخاذ قرار بتعليق الحج لهذا العام، وهذا له ما يؤيده من الشرع الإسلامي الحنيف، فقد بين الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - في يوم عرفة من حجة الوداع أهمية النفس الإنسانية والمحافظة عليها، وعلى الرغم من أن هذا التوجه بتعليق الحج كان سيجد قبولا عاما بين المسلمين، إلا أن السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين لم تر أن يرى الناس يوم عرفة وصعيدها الطاهر بلا حجاج، ولم يكن للقلوب أن تقبل برؤية الكعبة يوم العيد بلا طواف، لهذا تم اتخاذ القرار الصعب، وأن يتم الحج هذا العام مع الأخذ بالاحترازات المناسبة، هذه الاحترازات كانت في حد ذاتها تحديا لم يسبق له مثيل في العالم، فكيف تطبق احترازات التباعد الجسدي بين الحجاج وهم يتحركون في خطوط دائرية بين يدي الكعبة، وكيف يتم التحرز والتباعد، وهم يتوافدون على المسعى ذهابا وإيابا؟، ولعل الواحد منا قد استعصى عليه الخيال، فلا يتصور أن يتم ذلك أبدا، أو أن ينجح، ومع ذلك فقد شهدنا المعجزة التاريخية في الطواف، معجزة في تنظيم الحشود لم يسبق لها مثيل، يتحرك الناس في خطوات مدروسة، ووفق خطوط موضوعة بدقة حسابية، لقد بلغ التحدي منتهاه، إذا كنا نعرف جميعا التصادم عند دخول صحن الطواف بين الداخلين والخارجين، ذلك أن الطواف ينتهي عند نقطة بدايته، ولهذا فإن احتمالية التصادم قد لا يكون منها احتراز، لكن التنظيم المدهش بتحديد الدخول للصحن بعدد لا يتجاوز الألف حاج، وعلى شكل مجموعات ومع كل مجموعة قائد ميداني، حال دون أي تصادم.
هذا التخصيص في الأعمال والتوزيع في المهام، مكن الحجاج من تحقيق النسك بهدوء وشعور بالأمان، ولقد اندهش الجميع لدقة التنظيم والشعور الهائل بالأمان، لدرجة أن الخوف من الفيروس قد تبدد تماما، حتى إنك تسمع القائل يقول، "يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما". ومع دقة العمل والتنظيم المدهش الذي يشكر عليه كل من أسهم فيه فكرا أو تخطيطا أو تنظيما، وراعى فيه مشاعر المسلمين وفرحة عيدهم الكبير، فإن خلف كل هذا المظهر عملا ضخما من البروتوكولات الصحية، سواء في مناطق السكن أو الطعام، وتتبعا لكل من يحتك بالحجاج، حيث يتم فحصهم بشكل دوري حفاظا على سلامة الحجيج.
والآن، ومع هذا العمل الجبار بكل المقاييس، فإن العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه يقر للمملكة بأنها الأجدر والأحق بفضل تنظيم الحج، وأن الدعوات الكاذبة والعدائية، التي تشكك في قدرات المملكة قد تبددت تماما، ولقد أثبت السعوديون أنهم أهل الحرم وخاصته، وأنهم الأكثر فهما لإدارة حشود الحج وأكثر خبرة، وسيعلن وزير الصحة - بإذن الله - خلو الحج من الأمراض الوبائية وعلى رأسها كوفيد - 19، وبهذا تقدم المملكة للعالم نموذجا للعمل، من خلاله يمكن التعايش مع هذا العدو، وإدارة الحشود بكفاءة.
إنشرها