الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

عندما ذهب ستيفن ويلتون إلى الحي المالي في لندن الأسبوع الماضي، شعر الخبير المالي المخضرم كأنه يسير عبر "مدينة أشباح".

رئيس مجلس إدارة "بزنيس جروث فند" Business Growth Fund، أحد أكبر المستثمرين في الشركات الصغيرة والشركات الناشئة في المملكة المتحدة، الذي يعمل في الحي المالي في لندن منذ أكثر من ثلاثة عقود، قال "يمكنك عمليا رؤية الأعشاب المتساقطة".

بعد أسبوع من إعلان بوريس جونسون رئيس الوزراء، أنه سيخفف قواعد الإغلاق للسماح للعاملين بالعودة إلى مكاتبهم، لا يظهر أكبر أصحاب العمل في الحي المالي في لندن أي علامة على تسريع الخطط لإعادة الموظفين إلى مكاتبهم.

في حين إن التوجيهات الحكومية ستدخل حيز التنفيذ هذا الأسبوع، إلا أن معظم المسؤولين التنفيذيين يتمسكون بسياساتهم الخاصة باستعادة أعداد العاملين في المكاتب تدريجيا، سيبدأ عديد من الشركات في إعادة الحد الأدنى من الموظفين في أيلول (سبتمبر) أو تشرين الأول (أكتوبر)، لكن هناك شركات أخرى لا تخطط للعودة حتى عام 2021 كأقرب وقت.

يُهدد فيروس كورونا بتغيير طبيعة مكان العمل التقليدي بشكل دائم، ومعه المركز المالي شبه المستقل في لندن، الذي تعود جذوره إلى عام 1376. قال عديد من المسؤولين التنفيذيين الذين تحدثوا مع "فاينانشيال تايمز"، "إن بعض الموظفين لن يعودوا أبدا، نظرا إلى نجاح العمل من المنزل أثناء الإغلاق".

الأسبوع الماضي، قال بنك نات ويست المملوك للدولة - كان اسمه RBS لكن تغير إلى نات ويست بدلا من الاسم الذي تلوث من الأزمة المالية - "إن 50 ألفا من موظفيه سيواصلون العمل من المنزل حتى العام المقبل". مؤسسات الحي المالي في لندن مثل ستاندرد لايف أبردين طلبت من أغلبية الموظفين أن يفعلوا الشيء نفسه.

أندرو هورتون، الرئيس التنفيذي لشركة التأمين "بيزلي" Beazley، قال لـ"فاينانشيال تايمز"، "إن تصريح رئيس الوزراء الأسبوع الماضي لم يحدث أي تغيير على خططه. لسنا في عجلة من أمرنا".

مكتب شركة بيزلي في لندن، الذي يستوعب 700 شخص، مفتوح ومع تدابير التباعد الاجتماعي يمكن أن يدعم مائة شخص. لكن يوجد فيه حتى الآن 20 شخصا حدا أقصى.

قال شخص مطلع على استراتيجية بنك كريدي سويس بشأن سعة مبنى مكاتبه الذي يتألف من 20 طابقا ويستوعب 5500 شخص في كاناري وارف، "ما زلنا حذرين، العوامل المقيدة تبقى وسائل النقل العام، وما يحدث مع المدارس، والحركة داخل المبنى، مثل استخدام المصاعد".

وأضاف "من المرجح أن نزيد عدد الأشخاص الذين يأتون إلى المكاتب في أيلول (سبتمبر)، لكن في تلك المرحلة أعتقد أن العدد لن يكون كبيرا. ما زلنا أكثر من مائة بقليل في الوقت الحالي".

تغيير التوجيهات الأسبوع الماضي لم يعكس فقط رغبة الحكومة في إعادة الأشخاص إلى المكاتب. يدرك المسؤولون تماما أن الشوارع الرئيسة ومراكز المدينة ستكافح من أجل التعافي طالما يبقى الأشخاص في منازلهم. ينظر إلى إعادة الحياة للمكاتب أنها الخطوة الحاسمة التالية في انتعاش الاقتصاد البريطاني.

لكن مالكي الحانات والمقاهي في الحي المالي - التي سمح لها بإعادة فتح أبوابها منذ بداية تموز (يوليو) - قالوا "إن أعمالهم لا تحقق سوى جزء بسيط من أرباح ما قبل فيروس كورونا".

أوضح متجر برت أيه مانجر Pret A Manger، متجر السندويتشات البريطاني المنتشر في كل مكان، أن المبيعات في الحي المالي في لندن كانت أقل بنحو 85 في المائة من الحجم المعتاد في مثل هذا الوقت من العام.

مدير حانة قريبة من أحد البنوك، عادة ما تكون مليئة بالعاملين في الشركات المالية الذين يتدفقون إلى الشارع في معظم أمسيات الصيف، قال "إنه يحقق 15 في المائة أقل مما كان يكسبه في تموز (يوليو) العام الماضي"، مبينا أن إيراده انخفض إلى ما يراوح بين 1100 جنيه و1500 جنيه في الليلة، وهو يشعر بالقلق من أن مالك الحانة قد يفكر في إغلاقها بالكامل.

مثل شركة بيزلي، هناك شركات تأمين أخرى تخطط أيضا للعودة ببطء، وصف أحد السماسرة الحي المالي بأنه "مثل مشرحة".

قالت شركة أفيفا Aviva "سيبقى أغلبية الموظفين يعملون ويخدمون زبائننا من المنزل في الوقت الحالي". من جانبها، قالت الشركة المنافسة RSA "لن نتعجل في العودة".

تخطط مجموعة لويدز في لندن لعودة عدد صغير من الموظفين إلى مكتبها الرئيس الذي صممه ريتشارد روجرز، خلال آب (أغسطس)، لكن المكتب الرئيس الخاص بالتوقيع على بواليص التأمين التي تضمن التعويض عند وقوع الضرر، لن يعاود العمل حتى أيلول (سبتمبر).

ولا يقتصر الأمر على الشركات المالية التي تتخذ من الحي المالي مقرا لها. مجموعة ليرنيج تكنولوجيز Learning Technologies Group، وهي شركة لتزويد الخدمات الرقمية يوجد مقرها بالقرب من فليت ستريت، قالت أخيرا لموظفيها "إن المكتب لن يفتح حتى عام 2021".

يتأثر الحي المالي بشكل خاص بالمخاوف بشأن وسائل النقل العام. جرايم بيتكيثلي، كبير الإداريين الماليين في شركة يونيليفر، التي ليس لديها موظفون يعملون في مقرها الرئيس في لندن، قال "إن العاملين في المكاتب التي توجد فيها مواقف للسيارات - عادة ما تكون خارج المدينة - من المرجح أن يعودوا بسرعة أكبر بسبب خيارات النقل الأكثر أمانا".

لكن إذا كان السبب الأساس هو سلامة الموظفين، فقد ذكر أصحاب عمل أنهم وجدوا العمل من المنزل ناجحا بشكل مدهش، مشيرين إلى أنه يبشر بتغييرات واسعة في طريقة تعامل الشركات مع احتياجات المكاتب على المدى الطويل.

قالت تامزين إيزاكسون، الرئيسة التنفيذية لجمعية الاستشارات الإدارية "مانيجمينت كونسلتينج أسوسياشن"، "إن الأغلبية العظمى من أعضائها كانوا يعملون بنجاح من المنزل، ومن المحتمل أن يستمر عديد من الشركات وعملائها على ذلك إلى بقية العام".

وأضافت "لا يوجد اندفاع كبير للعودة إلى المكاتب، أثبت العمل من المنزل أنه فعال جدا من حيث الكفاءة والإنتاجية وساعد أيضا على تقليل تكاليف الانتقال من المكاتب وإليها".

نايجل تيرنجتون، الرئيس التنفيذي لبنك باراجون، المدرج على مؤشر فاينانشيال تايمز 250، قال للموظفين "إنهم لن يحتاجوا إلى العودة إلى المكتب حتى تشرين الأول (أكتوبر) كأقرب وقت". "نحن نعمل بفاعلية كبيرة والإنتاجية جيدة وقد ارتفعت في عدة مجالات".

وهو يتوقع حدوث تغيير دائم "الحساب التقديري الذي نستخدمه هو أن 30 في المائة سيكونون في المكتب، 30 في المائة في المنزل، و40 في المائة يتنقلون بين المكتب والمنزل".

بالمثل، ترى شركة يونيلفر "مستقبلا هجينا للعمل قد يقضي فيه الأشخاص بضعة أيام في المكتب ويومين أو ثلاثة أيام في المنزل أو يعملون عن بعد"، وفقا لألان جوبيه الرئيس التنفيذي.

لكن على الرغم من أن التكنولوجيا تسمح بقدر أكبر من التنوع، إلا أن معظم أصحاب العمل في الحي المالي يصرون على أن الحياة المكتبية ستبقى رئيسة لعملياتهم. تخفيف بوريس جونسون للتوجيهات شجع بعض أصحاب العمل على إعادة الموظفين، قال بعضهم "إن عديدا من العاملين كانوا راغبين بشدة في العودة إلى الوضع الطبيعي بعد بضعة أشهر فوضوية".

ديفيد ميرسر الرئيس التنفيذي لمجموعة LMAX مشغلة البورصات الإلكترونية، قال بعد تغيير رئيس الوزراء للتوجيهات "نقوم بتخفيف حظرنا على وسائل النقل العام، ونزيد تدريجيا عدد الموظفين الذين يعلمون من المكتب".

تحرص البنوك بشدة على إعادة المتداولين التابعين لها إلى المكاتب، وهي بحاجة إلى اتصالات إنترنت موثوقة وسريعة لتنفيذ صفقات بملايين الدولارات، إلى جانب أن لديها متطلبات صارمة تتعلق بالامتثال والرقابة، من الصعب أكثر الوفاء بها من المنزل.

مع ذلك، يكافح المديرون في "كريدي سويس" و"سيتي جروب" لإقناع بعض كبار المتداولين بالعودة خلال الصيف، لأنهم أصبحوا يشعرون بارتياح بالغ للعمل من منازلهم في سوري أو جنوبي فرنسا، وذلك وفقا لمصادر في كلا البنكين الاستثماريين.

يجادل المتداولون بأن الإيرادات الوفيرة دليل على قدرتهم على العمل بالفاعلية نفسها عن بعد. لكن رؤساءهم يردون بأنهم استفادوا من الأسواق المتقلبة بشكل استثنائي ومن المستحيل تتبع الإنتاجية المفقودة. ويعتقد بعضهم أن توليد الأفكار داخل فرق العمل والمعنويات يتأثران سلبا، خاصة بين الكوادر المبتدئة.

غالبا ما يكون الموظفون المبتدئون هم الأكثر حرصا على العودة، على عكس رؤسائهم، يعمل كثيرون في غرف النوم أو من على طاولات قهوة في مساحات مزدحمة، ويشعرون بالقلق من تفويت لقاء رؤسائهم وفرص التوجيه.

قال مسؤولون تنفيذيون آخرون "إن هناك قوة دفع طبيعية للانتقال من المنزل إلى مكان العمل بدون الحاجة إلى توجيه من الشركة". وبحسب بعض التنفيذيين، غالبا ما تؤدي عودة الرئيس التنفيذي أو كبار المديرين إلى توجيه غير معلن بين مزيد من الموظفين المبتدئين، ما يظهر أن عوامل التنافس في المكتب على الأقل لا تزال حية للغاية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية