هل يفيض الشر لبنا وعسلا؟

|
قد يسأل القارئ، ما هذا العنوان يا ترى؟ كيف لنا أن نضع الشر في خانة الأعمال، التي تفيض علينا بالخير الوفير؟ وهل هناك شر كان اقترافه من الضرورة بمكان ولولاه لما وصلنا إلى المرتبة الرفيعة، التي نحن فيها، ولما استمتعنا بالبحبوحة التي نعيشها؟ وهل هناك عاقل يرى في الشر مصدرا للخير العميم؟.
أسئلة وأخرى مثل هذه ربما يثيرها عنوان مقالنا لهذا الأسبوع، وقد تبدو لكثيرين أنها أسئلة مشروعة، لأن مقترف الشر بصورة عامة له كثير مما يراه ضرورات أجبرته على ذلك. وتذكرنا حوليات التاريخ كيف أن مقترفي ما نراه شرا اليوم يأتون بالمبررات والحجج لإضفاء الشرعية على أعمالهم.
لقد أشبع الفلاسفة والمفكرون الشر دراسة وتمحيصا، غير أن ما يقدمونه لنا من شروحات مستفيضة حول كيف ولماذا تصل الأمور بالإنسان العاقل إلى اقتراف الفظائع والشرور لا يشفي الغليل.
شخصيا لا أرى حكمة أو منطقا في السردية أو التفسير، الذي ينحو صوب تبرير الشر من خلال زمكانيته، أي أن الأعمال الشريرة تعد في الغالب ممارسات مقبولة لدى مقترفيها إن أخذنا زمانها ومكانها وسياقها في الحسبان.
ولا أرى رشدا أو حصافة في السردية التي تقول، إن الإنسان لما اقترف الشر لو عرف أن ما يقوم به هو حقا عمل شرير.
وهاتان السرديتان طغتا تقريبا على الخطاب، الذي يتناول الشر وعلى الخصوص الفظائع، التي ارتكبها البشر في الماضي، وكانتا بمنزلة صك الإدانة، الذي يرفع في وجه أحفاد المضطهدين والمستضعفين كلما طالبوا برفع الغبن عنهم.
القول، إن الشر جزء من الماضي وإن أثره وتبعاته لم يعد لها مكان وحضور في عالم اليوم، الذي تحكمه دساتير مدنية وإعلانات حقوق الإنسان لم يعد مقبولا.
الشر الذي وقع في الماضي من النادر أن ينتهي هناك، بل يؤسس لممارسات غير حميدة تنتقل من جيل إلى آخر.
وكل اقتراف للشر يعقبه في الغالب مميزات وامتيازات على حساب الضحايا، فيغتني الجلادون والأقوياء ويزداد الفقراء والمستضعفون بؤسا.
ولأن السرديتين في أعلاه تطغيان على الخطاب، يركن كل من الجلاد والضحية إلى قبول الأمر الواقع، الذي تميل فيه الكفة إلى جانب الأول على حساب الثاني، على الرغم من أن جذور الشر تعود مثلا إلى مستهل القرن الـ17.
وإن أراد أحفاد الضحايا التذكير بأن الشر، الذي وقع على أجدادهم قبل نحو 400 عام، لا تزال آثاره محسوسة، انبرى لهم الجلادون بالسرديتين في أعلاه.
ولا يوخز ضمائر الجلادين وأحفادهم المتنعمين بالامتيازات، التي غنموها من اضطهاد أجدادهم لفئة معينة من البشر إلا عند وقوع حدث تهتز له الأمة ككل، عندها تبدأ مراجعة النفس وقراءة الماضي بصورة مختلفة، ومن ثم تقديم سردية تعارض المألوف من الخطاب.
وصرنا كلنا شهودا للحدث الذي وقع قبل نحو شهرين في أمريكا عندما خنق شرطي أبيض مواطنا ذا بشرة سمراء بالضغط على عنقه بركبته الثقيلة لأكثر من ثماني دقائق.
قد تكون أخبار الجائحة وتفشيها الكبير في أمريكا والصراع الأمريكي - الصيني والانتخابات الرئاسية الأمريكية في غضون نحو ثلاثة أشهر هي الطاغية على المشهد الإعلامي في العالم.
بيد أن أمريكا، الدولة الأعظم في العالم، تشهد صراعا وانقساما وجدالا حاميا حول التاريخ والماضي والشر والفظائع التي اقترفت بحق ذوي البشرة السمراء من مواطنيها والعنصرية المستديمة ضدهم.
المظاهرات الصاخبة والعنيفة لا تزل مستمرة في كثير من المدن والولايات ما حدا بالحكومة الفيدرالية التدخل وإرسال الشرطة والجند لقمع المتظاهرين.
التظاهرات والمسيرات وطريقة تعامل الشرطة معها لم تعد أمورا تثير كثيرا من الاهتمام.
ولكن ما شدني كان بروز خطاب أو سردية جديدة تتحدى السرديتين التقليديتين اللتين لجأ إليهما أصحاب السلطة لتبرير كثير من الممارسات العنصرية الحالية مع ماضيها المرير.
وما يبعث على الأمل في إحقاق العدل الذي طال انتظاره في أعظم دولة في العالم، هو الشعور المتنامي والإحساس قولا وفعلا أن الدولة مبنية على العنصرية وتاريخها ربما تشوبه أسوأ عنصرية عرفها التاريخ البشري.
هذا الإحساس دعا كثيرا من المفكرين والعلماء إلى تدشين مقرر أو منهج، كي يتم تدريسه في المدارس الأمريكية أطلقوا عليه مشروع 1619، العام الذي وصلت فيه أول سفينة إلى الأراضي الأمريكية، وعلى متنها أول مجموعة من الأفارقة ذوي البشرة السمراء، الذين تم بيعهم وشراؤهم حالهم حال أي بضاعة أو تجارة أخرى.
قرأت بعض النصوص الخاصة بهذا المقرر، وفيها تحمل للمسؤولية الجماعية، ودعوة إلى المحاسبة والتعويض ومراجعة النفس، وإعلان عام 1619 عيدا وطنيا يرجع تاريخ تأسيس الولايات المتحدة كدولة إلى هذا العام بالذات إكراما وتقديرا للدور الذي لعبه العبيد في بناء رخائها وعظمتها.
ويلاقي المشروع معارضة شديدة من أعضاء طيف سياسي محدد ذوي سطوة. في مقاومتهم لهذا المشروع، يجري اجترار السرديتين في أعلاه، حيث قال واحد من أكثر المقاومين للمشروع قولا سيدخل به التاريخ كشاهد ودليل على أن الشر المقترف في الماضي تمتد جذوره حتى الحاضر.
ففي محاولة منه لوأد المشروع في الكونجرس، وصف نظام الرق في أمريكا، الذي استعبد ملايين الأفارقة بـ"الشر الضروري الذي لولاه لما تم تشيد الاتحاد (الولايات المتحدة)".
إنشرها