لاستخدام استعارة خاصة بالعالم القديم، تم قطع غابات بأكملها من أجل التنبؤ بالطريقة التي سيعمل بها كوفيد - 19 على تغيير كوكب الأرض. هذا قبل أن يعرف أي شخص ما إذا كنا، بعد خمسة أعوام من الآن، سنظل مختبئين من الفيروس أو ما إذا كان سيتم نقله إلى الكتب الدراسية حول الأوبئة عن طريق لقاح فعال.
تكاليف الجولة الأولى الباهظة، البشرية والاقتصادية، تتحدث عن نفسها. يجب قياسها مقابل الخيارات التي تتشكل الآن أمام صناع السياسة. إذا ترك هذا الوباء لنفسه، فيمكن أن يدفع عديدا من الديمقراطيات الغنية في العالم من فوق الحافة الشعبوية التي تتأرجح عليها منذ الانهيار المالي في 2008. ومن المفارقات أن الوباء يوفر أيضا طريقا للقادة السياسيين لإعادة بناء الثقة بالديمقراطية الليبرالية.
لا يوجد لغز حول الشعبوية التي أدت إلى تصويت الأمريكيين بالطريقة التي صوتوا بها في انتخابات 2016، وبريطانيا لدعم بريكست، والناخبين في جميع أنحاء أوروبا للتدفق على أحزاب أقصى اليمين واليسار. استقر النظام القديم بعد الحرب على عقد اجتماعي يضمن ارتفاعا مطردا في مستويات المعيشة. اختلف هذا بين الأمم، وكان أبعد ما يكون عن الكمال ولم يكن عالميا قط، لكن شرعيته كانت متجذرة في تصور واسع لـ"الإنصاف". يمكن أن تتوقع الأجيال المتعاقبة أن تكون أكثر ازدهارا من الأجيال السابقة.
انهارت الثقة مع انهيار 2008 والركود الناجم عن التقشف الذي أعقب ذلك. لكن بدأ التصدع في العقد في وقت أبكر بكثير مع ركود متوسط الدخل، وزيادة انعدام الأمن الوظيفي، وتوسيع تفاوتات الدخل. كما أن العمال ذوي الدخل المنخفض وغير المهرة تعرضوا للإهمال بفعل التكنولوجيا، والتحولات السريعة في الميزة النسبية، والإخلاص الشبيه بالعبودية للأسواق غير المقيدة من قبل صناع السياسة المفتونين بشيء يسمى إجماع واشنطن.
بمجرد أن سارت الأمور بشكل خاطئ، كان على الشعبويين فقط تقديم مجموعة واسعة من الأعداء - النخب السياسية القديمة، والمصرفيين، والمهاجرين الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور. عندما توقف الناخبون عن الاعتقاد بأنه يوجد مستقبل أفضل مضمون لأطفالهم، استنتجوا أيضا أنه ليس لديهم ما يخسرونه. ولم تكن هناك أهمية تذكر لحقيقة أن شخصيات مثل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون هم أنفسهم مخلوقات تنتمي إلى النخب.
فيروس كورونا أحدث هزة في هذه الصورة المركبة. إذا لم يفعل صناع السياسة شيئا كبيرا، فسيكون التأثير هو توسيع فجوة عدم المساواة بشكل أكبر من قبل. أكبر الخاسرين حتى الآن هم من العاملين في الوظائف منخفضة الأجر وغير الآمنة في اقتصاد الوظائف المرنة. وسيتحملون أيضا العبء الأكبر إذا استجابت الحكومات للزيادات الضخمة في العجز المالي عن طريق تقليص الإنفاق العام في المستقبل.
لكن الوباء غير أيضا الجدل السياسي. عادت الكفاءة والإنصاف إلى قمة التسلسل الهرمي للأمور التي يبحث عنها المواطنون في قادتهم. أعادت الأزمة صياغة دور الدولة، والأهم من ذلك أنها وضعت أهمية كبرى على الثقة. ولتكييف ملاحظة أدلت بها مارجريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة ذات مرة، يتم تذكير المواطنين بأن هناك شيئا اسمه المجتمع، وأن الحكومة الفعالة توفر عوامل التماسك الأساسية.
ليس من قبيل المصادفة أن أداء الولايات المتحدة والبرازيل وبريطانيا كان سيئا للغاية في الاستجابة للوباء. تعلم الرئيس دونالد ترمب، وجونسون، والرئيس جايير بولسونارو في البرازيل، أن التصريحات البراقة والفخمة لا تحمي من فيروس مميت. لقد شهدوا جميعا انخفاضا حادا في تقييماتهم مع ارتفاع معدلات الوفيات. إذا خسر ترمب الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني (نوفمبر)، كما تشير استطلاعات الرأي، فسيكون ذلك في جزء كبير منه لأن الناخبين يعرفون أن بناء جدار على طول الحدود المكسيكية ليس حماية من فيروس كورونا.
لا يعني أي من هذا أن القادة في التيار الرئيس لديهم مهمة سهلة. التوقعات الاقتصادية على المدى القصير أسوأ من كئيبة – فهي ركود عميق وزيادات حادة في البطالة وعجز مالي ضخم. لكن التغيير الكبير هو أن التحول في المزاج العام يعطيهم المساحة السياسية لتحديد اتجاه مختلف. لم يعد من الواضح تماما أن الإجابة على كل معضلة تتعلق بالسياسة الاقتصادية هي السماح للأسواق باتخاذ القرار، وخفض الضرائب على الأغنياء، والتلاعب بأسواق العمل لتكون ضد أصحاب الأجور المنخفضة.
ليست هناك حاجة إلى إعادة اختراع العجلة. يتظاهر السياسيون في بعض الأحيان بأن الأشياء التي دفعت الناخبين إلى أحضان الشعبوية كانت النتائج التي لا مفر منها للعولمة والتغيير التكنولوجي. في الحقيقة، هي عكست أيضا الخيارات التي اتخذتها الحكومات عند وضع سياسات الضرائب والإنفاق والمنافسة وتفكيك معايير العمل. وبقدر ما أنتجت العولمة كثيرا من الخاسرين، كان ذلك بسبب السياسات الوطنية التي كانت تدفع في الاتجاه نفسه.
عقد اجتماعي جديد من شأنه أن يبدأ بسياسات لمكافأة روح المشاريع وأيضا معاقبة البحث عن التربح، وتحويل عبء الضرائب بعيدا عن الدخل باتجاه رأس المال المتراكم، وإنشاء حماية للوظائف والدخل لتعزيز الإنتاجية. لا يمكن أن تكون إجراءات خفض العجز المالي على حساب استراتيجيات التعليم والتدريب التي تناسب الطلبات المتغيرة على المهارات. نحن جميعا ندفع ثمنا بسبب الأجور المنخفضة وعقود العمل التي لا تلزم صاحب العمل بتقديم الحد الأدنى من ساعات العمل.
ازدهر الشعبويون من خلال فضح المظالم الحقيقية. الوباء غير الحسابات من خلال إثبات أن العلاجات المفترضة التي يروج لها الشعبويون ليست لها قيمة حقيقية. لا توجد طريقة سهلة للعودة من تأثيرات فيروس كورونا، لكنها ضغطت على زر إعادة الضبط. القادة المستعدون لتقديم الكفاءة والإنصاف - عقد اجتماعي جديد – لديهم جمهورهم. هذه ليست فرصة يمكنهم إهدارها.

