السبت, 17 أكتوبر 2026|5 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في الوقت الحالي، يدور الجدل في البنوك المركزية حول شكل الانتعاش. إذا كان المتفائلون على حق، فستواجه البنوك المركزية قريبا مشكلة أكبر بكثير: هل عليها أن تتحمل ارتفاع معدلات التضخم، أم تسحب طبق الحلوى في وقت مبكر؟

بدأ الجدل بالفعل في هذا الموضوع. دعت لايل برينارد، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، إلى اعتماد فكرة أن يكون "متوسط معدل التضخم" 2 في المائة. يريد فيكتور كونستانسيو، نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق، أن يتخذ البنك المركزي الأوروبي هذا الاتجاه في مراجعة السياسة العامة المقبلة. أتعاطف بعض الشيء مع هذه الحجة لكن لدي أيضا تحفظات حولها.

من صالح الحجة أن يمنح متوسط المعدل المستهدف البنوك المركزية مرونة أكبر في أوقات كهذه. في منطقة اليورو، كان معدل التضخم الأساسي السنوي أقل من 2 في المائة لأكثر من عشرة أعوام. ربما يكون ارتفاع التضخم المؤقت أمرا جيدا.

لكن أهم الأمور التي يجب الحذر منها هو أن محافظي البنوك المركزية لا يفهمون حقا كيف يعمل التضخم. هناك كثير من النظريات والأساليب، النظرية والإحصائية، ولكن لا شيء منها قادر على تفسير ما يحدث باستمرار في العالم الحقيقي.

في حالة البنك المركزي الأوروبي، يرمز إلى عدم الفهم هذا على أفضل وجه بالفشل المضحك في توقعاته للتضخم. لم تكن التوقعات صحيحة بسبب اعتقاد خاطئ بأن التضخم سيعود في النهاية إلى المعدل المستهدف عند 2 في المائة. كان سيتفوق على البنك المركزي الأوروبي في هذه الحالة مولد الأرقام العشوائي، أو قرد معه لوحة لرمي السهام، أو حتى خريطة الأبراج.

المشكلة ليست في أن شخصا أخطأ في التنبؤ. جميعنا نفعل ذلك، طوال الوقت. الأمر المثير للقلق هو أن هذه التوقعات تكشف عن نقص أساسي في فهم عملية التضخم الأساسية. هناك بعض الأدلة الحديثة على أن العولمة ربما تكون قد غيرت عملية التضخم. حتى إذا كان ذلك صحيحا، فلا يعد بالضرورة أنه ملاحظة مفيدة أيضا. نحن لا نعرف بالضبط ما هية الفترة التي نحن مقبلون عليها.

قد يبدو متوسط معدل التضخم المستهدف جيدا الآن عندما تكون قادما من فترة كان فيها التضخم أقل من المعدل المستهدف. لكن إذا ارتفع التضخم أكثر من المعدل المستهدف وبقي عند ذلك المستوى، فسيتعين على البنك المركزي الذي يتبع متوسط المعدل المستهدف، في مرحلة ما، أن يضغط بقوة على المكابح لتحقيق ذلك المتوسط. بمجرد أن يكون لديك معدل مستهدف فإنك تجعل نفسك عرضة للخطر.

يمكنك بالطبع أن تأخذ وجهة النظر القائلة إنه إذا ظهرت هذه المشكلة في المستقبل، فقد يتغير المعدل المستهدف مرة أخرى. لكن بعد ذلك تخاطر بألا يأخذك الناس على محمل الجد مرة أخرى. فكرة أن يكون هناك معدل تضخم مستهدفا كانت ناجحة لأنها تمكنت من تثبيت التوقعات – إلى أن أصبحت أخيرا عاجزة عن أداء هذا الدور. في هذه الحالة سيكون من الأفضل التفكير العميق بدلا من تطبيق حل سريع.

وراء فكرة معدل التضخم المستهدف يكمن أنموذج نظري. كان الأنموذج اتجاها سائدا في وقت من الأوقات، لكنني أعتقد أنه لم يعد يشكل وصفا جيدا لعالمنا اليوم. يرتبط بهذا مفهوم استقلالية البنك المركزي، الأمرالذي تم تبريره على أساس أن محافظي البنوك المركزية يديرون شيئا يبدو للعالم الخارجي وكأنه سياسة صارمة وموضوعية.

بمجرد أن تصبح السياسة تقديرية، فإنها تصبح سياسية. وعندما يحدث ذلك، سيتولى السياسيون المسؤولية. يجب أن نتذكر أنه ليس من الطبيعي أن تكون مؤسسات صنع السياسات مستقلة من الناحية السياسية. إنه الاستثناء وليس القاعدة.

في منطقة اليورو، من المحتمل أن تظهر مشكلة إضافية قريبا جدا - تسييل الديون. نحن نسمع أن الاقتصاديين الأوائل يجادلون بأن ارتفاع التضخم هو ثمن يستحق الدفع لتجنب انهيار كارثي في أسواق الديون السيادية. يعجبني صدق الحجة المنعش.

برنامج البنك المركزي الأوروبي لشراء السندات خلال الجائحة يشكل بالفعل شكلا من أشكال تسييل الديون الذي قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم في المستقبل. لكن هذه الحجة تفترض أن ارتفاع التضخم سيكون مؤقتا. كيف نعرف؟ رأينا في العقد الماضي أن معدل التضخم يمكن أن يتخطى المعدل المستهدف ويستقر عند المستوى الأدنى الجديد. إذا دفعته من خلال السياسة، فقد يعلق عند ذلك المستوى أيضا. قد يجادل شخص ما بأنها مخاطرة تستحق أن نخوضها، لكنها رغم ذلك تشكل مخاطرة.

إذا استعرض البنك المركزي الأوروبي سياسته، واعتمد متوسط معدل التضخم المستهدف 2 في المائة، مثلا، فسيعطي نفسه مزيدا من المرونة. لكن هذا يبدو لي كأنه مبرر بأثر رجعي لما يريدون فعله على أي حال. بعد ذلك في أحد الأيام سيستيقظون ويجدون أن معدل التضخم المتسهدف المرن الجديد اللامع يجبرهم على اتجاه لا يريدونه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية