كان العدد القليل من السيارات هو الذي أثار انتباه ماريان فيرينك في البداية: الانتعاش الاقتصادي الذي كانت تأمل هي وعديد من الآخرين في رؤيته على شاطئ باس-جريل في ولاية فلوريدا بات معرضا من الآن إلى خطر التلاشي.
تقول فيرينك التي تمتلك عددا من المطاعم في منطقة تامبا، فضلا عن فندق صغير راق على ساحل الخليج، "نحن اليوم في الرابع من تموز (يوليو) ومع ذلك يمكنك العثور على مكان لوقوف السيارة طوال اليوم. يمكنك العثور على كثير من أماكن وقوف السيارة طوال اليوم".
"كان هذا هو المؤشر الأول، وكان باستطاعتك ملاحظة الفرق بسهولة، خلال عطلة نهاية الأسبوع بأكملها. ثم في الأسبوع التالي رأيت هذا الانخفاض".
في الفترة التي سبقت يوم الاستقلال الذي كان قطاع السياحة يعتمد عليه للحصول على دفعة هائلة، كان عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا الجديد في فلوريدا يرتفع بمعدل مثير للقلق، متجاوزا عشرة آلاف حالة في اليوم للمرة الأولى. منذ ذلك الحين تدهور الوضع، وسجلت الولاية رقما قياسيا بلغ 15299 إصابة في 12 تموز (يوليو). والنتيجة أنه حتى الأعمال الاستهلاكية الفاترة التي عادت إلى الظهور مع خروج فلوريدا من إغلاقها الأولي تلاشت.
رواية فيرينك - التي هي أيضا رئيسة غرفة تجارة خليج تامبا - هي دلالة على المخاوف التي تجتاح الاقتصاديين وصانعي السياسة بشأن حالة الاقتصاد الأمريكي.
بعد التغلب على صدمة فيروس كورونا الأولية في آذار (مارس) ونيسان (أبريل) بشكل أسرع مما كان متوقعا، بمساعدة الجرعات الضخمة من التحفيز المالي والنقدي، أصبح الخروج من الركود المفاجئ مهددا الآن من خلال ارتفاع حالات الإصابة بكوفيد - 19عبر أجزاء عديدة من الحزام الشمسي، بما في ذلك الولايات المكتظة بالسكان، مثل فلوريدا، تكساس، وكاليفورنيا.
فقدان الزخم الاقتصادي يظهر منذ الآن في البيانات عالية التردد المتعلقة بالتوظيف وحجوزات المطاعم والتنقل، وكلها تتباطأ. يتجلى التأثير بشكل خاص في الولايات الأكثر تضررا، حيث يصبح المستهلكون مرة أخرى أكثر حذرا وتوقف السلطات مؤقتا رفع القيود على النشاط الاقتصادي، أو حتى تتراجع عنها.
وفقا لتحليل البيانات الأسبوعية التي أنتجها مكتب الإحصاء حول التأثير الاقتصادي لفيروس كورونا، انخفضت حصة البالغين الأمريكيين الذين تم توظيفهم نقطة واحدة مئوية من منتصف حزيران (يونيو) إلى أوائل تموز (يوليو) بعد أن كانت ترتفع بشكل مطرد منذ أوائل أيار (مايو).
يقول آرون سوجورنر، أستاذ الاقتصاد في جامعة مينيسوتا واقتصادي أعلى سابق في مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس باراك أوباما الذي كان يحلل بيانات مكتب الإحصاء، "لا يزال الاقتصاد إلى حد كبير يعاني ركودا شديدا بسبب الفيروس الخارج عن السيطرة، والمشكلة أن الفيروس يخرج عن السيطرة أكثر. إذا سمح لهذا الاتجاه بالاستمرار، فلا يوجد سبب لعدم فقدنا المكاسب التي حققناها على مدار الشهرين الماضيين وحتى رؤية أشياء أسوأ في المستقبل".
السؤال الآن ما إذا كان هذا مجرد انحراف مؤقت وسيعود التعافي سريعا مرة أخرى، أو ما إذا كان أكبر اقتصاد في العالم يتجه نحو انتكاسة من شأنها أن تضاعف الضرر الذي لحق بالشركات والأسر الأمريكية والاقتصاد العالمي الذي لحقته الضربة الأولى بالأصل.
مخاطر سلبية واضحة
تقول ليديا بوسور، الاقتصادية العليا المختصة بالولايات المتحدة في شركة أكسفورد إيكونوميكس في نيويورك، "ظللنا نحذر طوال الوقت من أن الحل للتعافي هو تحسن الوضع الصحي. بمجرد أن تبدأ في رؤية الوضع الصحي يتدهور، سيتوقف التعافي بشكل مؤقت على الفور. سيبدأ الطلب في التعثر، ونحن نرى ذلك منذ الآن في بعض الولايات. هذا يعني أن هناك حركة انتقال أقل، ويعني إنتاجا أقل، كما يعني أنه سيكون هناك مزيد من الإجهاد المالي".
كان كبار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي - الذين حذروا منذ بداية أزمة فيروس كورونا من أن الاقتصاد الأمريكي يواجه طريقا طويلا وصعبا في العودة إلى الحياة الطبيعية - يراقبون البيانات الاقتصادية في الوقت الحقيقي بقلق متزايد.
لايل برينارد، وهي محافظة في الاحتياطي الفيدرالي، قالت الأسبوع الماضي إن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يكتنفه "ضباب كثيف من عدم اليقين" وتهيمن "المخاطر السلبية" على التوقعات.
وحذرت من أن "حدوث نوبات، أو موجة ثانية واسعة من الفيروس قد تؤدي إلى تباعد اجتماعي واسع النطاق - سواء إلزاميا أو طوعيا – يمكن أن يبطئ وتيرة التعافي ويمكن حتى أن يكون نذيرا بتراجع ثان في النشاط".
حتى أن روبرت كابلان، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، ناشد الأمريكيين أن يرتدوا الكمامات، قائلا إن الالتزام بتوجيهات مسؤولي الصحة الأمريكيين وتقليص معدل انتقال الفيروس سيكون في حد ذاته سياسة اقتصادية أكثر فاعلية مما يمكن أن يحققه أي تحفيز إضافي من المالية العامة أو التحفيز النقدي.
وقال إن ارتفاع معدل الوفيات ودخول المستشفيات - كان لهما تأثير شديد على تكساس في الأسابيع الأخيرة - خلفا "تأثيرا مروعا على النمو الاقتصادي".
قصة على المستوى الوطني
الرياح المعاكسة التي تضرب الانتعاش في الولايات المتحدة تثير صدمة بشكل خاص، لأن أداء الاقتصاد كان أفضل من المتوقع حين خرجت أمريكا من فترة الإغلاق الأولى.
بعد تخفيض 22.2 مليون وظيفة في بداية الوباء في آذار (مارس) ونيسان (أبريل)، وفقا لمكتب إحصاءات العمل، أعاد أصحاب العمل الأمريكيون توظيف 7.5 مليون شخص في أيار (مايو) وحزيران (يونيو)، بما في ذلك 503 آلاف شخص في فلوريدا. كان هذا لا يزال بعيدا عن حالة ما قبل الوباء في سوق العمل، لكنه علامة مبكرة مشجعة.
وانتعشت مؤشرات أخرى بسرعة أيضا، بما في ذلك مبيعات التجزئة، التي ارتفعت 7.5 في المائة في حزيران (يونيو) بعد ارتفاع 18.2 في المائة في أيار (مايو)، ما عمل تقريبا على استعادة الأرض المفقودة في وقت سابق من العام. كما أظهر التصنيع بعض الحياة، حين ارتفع مؤشر معهد إدارة العرض إلى مستوى 52.6 في المائة في حزيران (يونيو)، ما يشير إلى توسع القطاع الصناعي للمرة الأولى منذ شباط (فبراير). لكنّ عديدا من الاقتصاديين يخشون أن تكون الزيادة غير مستدامة وقابلة لعكس اتجاهها في الأسابيع والأشهر المقبلة، نتيجة لتفشي المرض من جديد.
في كاليفورنيا، الولاية الأمريكية الأكثر اكتظاظا بالسكان والمحرك الكبير للاقتصاد الأمريكي، أمر الحاكم الديمقراطي، غافين نيوسوم، الأسبوع الماضي بإغلاق جميع الحانات في جميع أنحاء الولاية، وحظر العمليات الداخلية للمطاعم ودور السينما والمتاحف.
حتى في ولايات يقودها حكام جمهوريون، وهم أكثر ترددا في إعادة فرض القيود، فإن القلق من انتشار المرض يهدد بتقويض الانتعاش الاقتصادي، مثلما هو الحال في فلوريدا. وقد يمتد هذا الحذر حتى ليشمل الولايات والمناطق التي تضررت بشدة في المراحل المبكرة من الوباء، لكنها شهدت في الآونة الأخيرة حالات إصابة أقل بكثير.
تقول ليز آن سوندرز، كبيرة الاستراتيجيين الاستثماريين في مجموعة تشارلز شواب للخدمات المالية، إن التباطؤ يتم الشعور به "إلى حد كبير في جميع أنحاء البلاد" وليس فقط في ولايات الحزام الشمسي. "هذا الارتفاع في عدد الحالات يكفي لإثارة الخوف، ليس فقط في تلك الولايات، لكن بين الشركات والمستهلكين على نطاق أوسع. هذه قصة على المستوى الوطني".
في تموز (يوليو) انخفض مؤشر ثقة المستهلكين الذي تعده جامعة ميشيغان إلى 73.2، ما يعيده إلى منطقة قريبة من أدنى مستوى له في نيسان (أبريل) عند 71.8، ويجعله يخسر الجزء الأكبر من المكاسب التي تحققت في حزيران (يونيو).
إد باستيان، الرئيس التنفيذي لشركة دلتا إيرلاينز، قال لشبكة فوكس بيزنس الأسبوع الماضي، إن شركته شهدت "بعض الانتعاش الجيد في حركة المرور والإيرادات" في حزيران (يونيو) حتى في قطاع السفر المنكوب، لكنه قلق من أن التحسن توقف. أضاف، "مع نمو الفيروس، كما تعلم، أدى الطلب إلى توقف أي نمو إضافي".
بالنسبة لسوق العمل، الشاغل الرئيس هو أن استمرار الجائحة سيترجم إلى ضعف في نمو الوظائف، أو حتى فقدان مزيد من ملايين الوظائف، ما يفاقم المخاوف من تباطؤ على غرار ما حدث في الثلاثينيات.
الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس يعد مؤشرا للعمالة العرضية، الذي يجمع البيانات من Homebase، وهي خدمة جدولة وتتبع للشركات الصغيرة الذي يتطابق إلى حد كبير مع البيانات الرسمية التي تنتجها وزارة العمل الأمريكية. كان المؤشر يتحسن باستمرار منذ أن وصل إلى أدنى مستوى له في نيسان (أبريل)، لكن بحلول نهاية حزيران (يونيو) بدأ يتحرك متأرجحا، ثم ببطء شديد في الاتجاه الخاطئ مرة أخرى.
تشعر سوندرز بالقلق من أنه في حين أن حصة فقدان الوظائف المؤقتة هي في تناقص في جميع أنحاء الاقتصاد، إلا أن حصة فقدان الوظائف الدائمة في تزايد. وتحذر قائلة، "من الواضح أن هذا الاتجاه ليس جيدا".
في فلوريدا، الارتفاع الجديد في حالات فيروس كورونا، أجبر فيرينك - التي يقع مطعمها الرئيس في وسط مدينة تامبا - على تعليق خطط لإعادة التوظيف. كذلك كان عليها أن تدرس تخفيض الرواتب وساعات العمل لموظفيها من المستوى المتوسط، الذين حاولت تجنيبهم أسوأ ما في الأزمة.
تقول، "نحن ننظر في طرق مختلفة يمكننا من خلالها البدء في تخفيض الأشياء، على أمل إبقاء الأشخاص يعملون لكن ربما أقل توظيفا".
جون نيوستريت، الذي يقود غرفة التجارة المحلية في مقاطعة أوسيولا بالقرب من أورلاندو، يشعر بالقلق من أن تسريح مزيد من العاملين يمكن أن يصبح دائما في منطقته التي تعتمد على السياحة، لكنه متفائل طالما "تجاوزنا الأيام الأسوأ وهي الآن وراء ظهورنا" وطالما يمكن تجنب الدخول في إغلاق آخر. يقول، "ينبغي أن نكون مسؤولين وحذرين بينما نمضي قدما. الآن نحن بحاجة فقط للعمل معا. علينا أن نكون مهذبين مع بعضنا ونتجاوز هذا".
هل تتحمل واشنطن الفاتورة؟
الانتعاش المتوقف سيطيح بآمال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في التوجه إلى مسابقة إعادة الانتخاب التي ستجرى في تشرين الثاني (نوفمبر) ضد جو بايدن متسلحا بانتعاش على شكل الحرف V، وهو ما كان يعتمد عليه منذ بداية أزمة فيروس كورونا.
لكن الخوف الشديد من الضربة الاقتصادية الناجمة عن موجة جديدة من الحالات - التي يزيد معدلها الآن على 400 ألف في الأسبوع - يمكن أن يزداد بسبب عدم قدرة واشنطن على التوصل إلى اتفاق بشأن التحفيز المالي الإضافي للمساعدة في دعم الانتعاش.
كان أحد الأسباب الرئيسة وراء انتعاش إنفاق المستهلكين ومجموعة كبيرة من الوظائف بسرعة كبيرة في الولايات المتحدة هو أنه كان مدفوعا بثلاثة تريليونات دولار من التحفيز الذي تمت الموافقة عليه في الأشهر الأولى من الأزمة، بما في ذلك المدفوعات الحكومية المباشرة للأسر، والتوسع الحاد في إعانات البطالة، وقروض الشركات الصغيرة التي يمكن إعفاؤها.
لكن تأثير هذه الإجراءات - التي يقصد بها أن تكون جسرا مؤقتا، وإن كان باهظ الثمن، لأوقات أفضل يتلاشى تماما في الوقت الذي تصبح فيه التوقعات متشائمة. في حين يطالب الديمقراطيون بمبلغ ثلاثة تريليونات دولار إضافية للإنفاق الجديد على مساعدة العاطلين عن العمل، ولمدفوعات مباشرة للأسر، وتمويل للولايات والحكومات المحلية التي تعاني ضائقة مالية، كان الجمهوريون مترددين في دعم الإجراءات، ما أدى إلى الوقوع في الجمود. سيصل الأمر إلى مرحلة الأزمة في الأيام المقبلة في كابيتول هيل.
واحدة من أكبر النقاط الشائكة هي مصير 600 دولار أسبوعيا في إعانات البطالة الطارئة التي تم تقديمها خلال الوباء، والتي تنتهي في وقت لاحق هذا الشهر ويريد الجمهوريون والبيت الأبيض قطعها لأنهم يعتقدون أنها سخية بشكل مفرط وتعمل على تثبيط الرغبة في العمل.
حتى إذا تم التوصل إلى حل وسط، فمن المحتمل أن ينطوي على تخفيض كبير في الدعم مقارنة بالجولة السابقة، الأمر الذي قد يقلل من الدخل التقديري لعديد من الأسر وحتى يعرض للخطر تسديد الإيجارات أو مدفوعات الرهن العقاري. إذا لم تتم الموافقة على أموال للولايات والبلديات التي تعاني ضائقة مالية، فسيضطر كثير منها إلى تقليص القوى العاملة فيها. ويشعر كثير من الاقتصاديين بالقلق من أن أي اتفاق يخرج من واشنطن قد يكون مخيبا للآمال وغير كاف.
تقول بوسور، من أكسفورد إيكونومكس، "نعتقد أنها ستقصر من حيث حجم الدعم الذي سيحتاجه الاقتصاد، وخاصة أننا نرى الوضع الصحي يتدهور. هناك احتمال أن يكون الدخل مقيدا في المستقبل".
في منطقة تامبا، تقول فيرينك، التي حصلت على قرض في الجولة الأخيرة من الحوافز، إن هناك حاجة إلى تقديم مساعدة إضافية لأصحاب المشاريع في الجولة المقبلة من المفاوضات، خاصة لتجنب أن يفشل مزيد منها – وهذا الأمر مصدر قلق لكثير من الاقتصاديين.
تقول، "إذا كنا سنشهد ركودا بسبب ارتفاع حالات الإصابة، فعندئذ نعم أعتقد أن الشركات ستستفيد". لكن أملها الرئيس هو أن تتمكن ولايتها من تجنب إغلاق كامل آخر، حتى لو كان ذلك يعني أن المطاعم مثلها ستضطر إلى قبول مزيد من التخفيضات في السعة.
وتقول، "إذا بدأنا ثم توقفنا ثم بدأنا ثم توقفنا مرة أخرى، أعتقد أن ذلك وضع يصعب التكيف معه، في الحياة أو في العمل".



