الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تنشأ عن أزمة فيروس كورونا آثار فريدة من نوعها، حيث تؤدي إلى تشديد قيود المالية العامة في الدول منخفضة الدخل، التي تمثل مصدر الهجرة في الوقت الذي يتعين فيه على القطاع العام في هذه الدول القيام بالمزيد لحماية السكان من الجائحة ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية في التغلب على آثار الصدمات السلبية الضخمة. وستؤدي خسارة الإيرادات الضريبية نتيجة تراجع الاستهلاك المدعوم بالتحويلات إلى تفاقم الصعوبات المفروضة على الحكومات التي تفتقر إلى المال بالفعل، وتقويض قدرتها على اتخاذ تدابير مالية مضادة للاتجاهات الدورية.

لذلك يتعين على المجتمع الدولي تقديم المساعدة بشكل عاجل، حتى إن كانت الدول الغنية نفسها تواجه أعباء مالية كبيرة. فمن مصلحة الدول الغنية ألا يعود المهاجرون إلى دولهم الأصلية ويتم توفير الموارد للدول الفقيرة لمساعدتها على التصدي للجائحة. وتسجل الدول الغنية معدلات إصابة أعلى بكثير، وترتفع المعدلات خصوصا بين العاملين المهاجرين، بسبب تردي الأوضاع التي يعملون ويعيشون فيها. ومن المحتمل أن يجلب المهاجرون العائدون الفيروس إلى دولهم. وإذا ما حدث ذلك، ستصبح الدول الفقيرة بيئة حاضنة يسيطر عليها الفيروس الذي سينتقل بانتقال اللاجئين الذين يسعون إلى العيش في دول جديدة.

وبالتالي لن يتخلص العالم من الفيروس إلا بعد مرور عدة عقود، وحصاد حياة كثيرين. وتوجد ثلاثة إجراءات أساسية يتعين اتخاذها فورا. حيث تنشأ عن هذه الأزمة آثار فريدة من نوعها، حيث تؤدي إلى تشديد قيود المالية العامة في الدول منخفضة الدخل، التي تمثل مصدر الهجرة في الوقت الذي يتعين فيه على القطاع العام في هذه الدول.

أولا: يتعين أن تحافظ الدول المضيفة على استقرار وظائف العاملين المهاجرين في اقتصاداتها. ويمكن أن يكون لبرامج الإنقاذ الموجهة لحماية وظائف المواطنين في الدول الغنية دور في مساعدة العاملين المهاجرين أيضا على الاستمرار في وظائفهم. وإيمانا بضرورة الحفاظ على رفاهية العاملين المهاجرين واستقرارهم، طمأن رئيس وزراء سنغافورة أخيرا العاملين المهاجرين في بلاده قائلا: "سنعتني بصحتكم ورفاهيتكم وسبل عيشكم، وسنتعاون مع أرباب الأعمال، لضمان حصولكم على أجوركم حتى تتمكنوا من إرسال الأموال لدولكم، انطلاقا من واجبنا ومسؤوليتنا تجاهكم أنتم وتجاه أسركم". ويمكن للإجراءات التي تتخذها الدول المضيفة المساعدة على استمرارية تحويلات العاملين في الخارج بوصفها شريانا للحياة، والحد من احتمالية عودة المهاجرين إلى دولهم. كذلك فإن توفير الحماية للمهاجرين سيساعد الاقتصادات المتقدمة على استئناف الإنتاج بكامل طاقته في وقت أقرب. لكن في حال قيام الدول المضيفة بإرسال المهاجرين إلى دولهم، ستستغرق عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة في الدول الغنية وقتا أطول. وفي الدول التي تعتمد على العمالة الموسمية مثل الولايات المتحدة، سيحقق الحفاظ على بقاء المهاجرين داخل حدودها وزيادة عدد الاختبارات للكشف عن المصابين منفعة مزدوجة، وهي ضمان إمداد البلد المضيف بالمنتجات الزراعية الطازجة والحفاظ على استمرارية التحويلات المرسلة إلى الدول الأصلية للمهاجرين.

ثانيا، سيتعين مساعدة الدول التي تستقبل المهاجرين العائدين على احتواء موجات تفشي الفيروس، والتخفيف من حدتها والحد من تصاعدها.

فيجب على الدول المانحة المساعدة على تحمل تكلفة التخفيف من آثار انتشار الفيروس، للحد من وطأة الأزمة في الاقتصادات المحلية والوقاية من التداعيات المحتملة.

ومن المرجح أن يفرض المهاجرون العائدون ضغوطا إضافية على نظم الرعاية الصحية في دول المصدر، التي تكافح لاحتواء عدد الإصابات المحلية وتجنب إغلاق الأنشطة الاقتصادية المحلية. وسيتعين على السلطات في هذه الدول زيادة عدد الاختبارات قدر الإمكان في المناطق الحضرية، ودعم تنفيذ الإجراءات اللازمة لعزل المهاجرين العائدين الذين تحتمل إصابتهم. وإذا ما تم التعامل مع عودة المهاجرين على هذا النحو، قد يعود ذلك بالنفع على دولهم الأصلية أيضا على المدى الأطول.

فالمهاجرون الذين يتوقعون إعادتهم بشكل دائم قد يجلبون مدخراتهم، وقد تسهم مهاراتهم العملية في تنمية دولهم الأصلية.

ثالثا، نظرا لمحدودية الحيز المتاح للتصرف أمام حكومات الدول الفقيرة، ستحتاج هذه الدول إلى مساعدة المؤسسات المالية الدولية ومجتمع المانحين. ويتعين على المؤسسات المالية الدولية زيادة المساعدات المقدمة لدعم المالية العامة وميزان المدفوعات في هذه الدول. وينبغي أن يشمل ذلك ضمان قدرة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر في هذه الدول - أي الفئات التي تعتمد بالدرجة الأكبر على تدفقات تحويلات العاملين في الخارج لسد احتياجاتهم الاستهلاكية والحفاظ على رخائهم - على الاستفادة من برامج التأمين الاجتماعي. وربما يكون هذا هو أنسب وقت للتركيز على هدف التنمية المستدامة العاشر، وبذل الجهود العالمية اللازمة لتحقيقه، حيث يمكن تخفيض التكلفة المرتفعة لتحويلات العاملين في الخارج إلى 3 في المائة.

وقد اتضح من هذه الأزمة أننا جميعا كمجتمع عالمي، بدوله الغنية والفقيرة، في قارب واحد. لذلك فإما أن نعمل لمصلحة الجميع أو نواجه معا تبعات تزايد عدم المساواة الاجتماعية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية