على بعد أكثر من 80 ميلا في الجهة المقابلة للساحل الشرقي للنرويج، في منطقة محاطة بخمس منصات بحرية للنفط والغاز، تعمل شركة الطاقة النرويجية "إكوينور" Equinor على تطوير مشروع طاقة تعمل بالرياح البحرية تأمل أن يحطم كثيرا من الأرقام القياسية.
مشروع "هايويند تامبن 88 ميجاواط" 88MW Hywind Tampen سيتفوق على مشروع مماثل في اسكتلندا، ليصبح أكبر مزرعة رياح في العالم تستخدم توربينات عائمة. على الرغم من كونه متواضعا نسبيا من حيث الحجم - مقارنة بأكبر مشروع رياح بحرية "تقليدي" في العالم قيد التطوير ينتج 3.6 جيجاواط - إلا أنه سيكون أول مشروع يوفر الكهرباء المتجددة مباشرة لمنصات النفط والغاز القريبة عند اكتماله في 2022، وفقا للمجموعة النرويجية.
في العقد الماضي، كانت هناك مجموعة من الشركات تختبر تكنولوجيات عائمة تعتقد أنها ستفتح مناطق بحرية شاسعة غير مناسبة لتوربينات الرياح التقليدية "ذات القاع الثابت"، التي يتم تثبيتها مباشرة في قاع البحر.
يمكن أن تكون المياه في مناطق مثل اليابان وتايوان والساحل الغربي لأمريكا عميقة جدا، أو أن قاع البحار ضعيف جدا أو صلب أو غير مستو للتوربينات ذات القاع الثابت. تحرص شركات التطوير على استخدام التوربينات العائمة للوصول إلى أعلى سرعات الرياح في عرض البحر.
وفقا لمنظمة "إي تي آي بي ويند" ETIPWind البحثية التي تتخذ من بروكسل مقرا لها، فإن التوربينات العائمة يمكن أن تفتح 80 في المائة من موارد الرياح البحرية في العالم، الواقعة في مياه يزيد عمقها على 50 مترا.
وبحسب ألكسندر فاندنبرج، مستشار البحث والابتكار في "ويند يوروب"، وهي هيئة عالمية للصناعة مقرها بروكسل أيضا، فإن القطاع "يوشك بالفعل على اكتشاف إنجاز هائل". وتتطلع دول مثل فرنسا وكوريا الجنوبية إلى الرياح في عرض البحر باعتبارها وسيلة لإزالة الكربون من أنظمة الطاقة لديها والحد من مساهماتها في تغير المناخ.
في الشهر الماضي أطلقت اليابان مزادا على مشاريع الرياح البحرية، وأشارت فرنسا أيضا إلى أنها ستعقد ثلاث مناقصات، بدءا من العام المقبل، بهدف تشجيع المشاريع التي يبلغ حجم طاقتها 250 ميجاواط - وهي أكبر من مشروع "هايويند تامبن" ثلاث مرات تقريبا.
يقول بال إيترهايم، نائب الرئيس التنفيذي لحلول الطاقة الجديدة في شركة إكوينور: "خلال العام الماضي أو نحو ذلك" حدث "تغيير كبير" في الطريقة التي ينظر بها إلى الرياح البحرية.
سابقا اعتقد كثير من الخبراء أن مشاريع الرياح البحرية الكبيرة لن يتم تطويرها إلا بعد استنفاد الشركات قيعان البحار المناسبة للتوربينات ذات القاع الثابت. لكن بحسب إيترهايم، هناك مؤشرات الآن على أن "هذه الأمور سيتم تطويرها بالتوازي".
تستند ثقته جزئيا إلى حقيقة أنه إذا أراد بعض الدول متابعة مشاريع الرياح البحرية، فسيتعين عليها "أن تعتمد التوربينات العائمة من اليوم الأول، ببساطة بسبب جرفها القاري"، مستشهدا باليابان، وكاليفورنيا، وكوريا الجنوبية.
تعتقد الصناعة أن تكنولوجيا الرياح العائمة - التي كان يتم تمويلها في الغالب حتى الآن من خلال الإعانات أو المنح الحكومية السخية - يمكن أن تشهد انخفاضا هائلا بشكل ملحوظ في الأسعار بالنسبة لمشاريع التوربينات ذات القاع الثابت، إذ انخفضت التكاليف بشكل كبير حينما أصبحت التوربينات أطول وأقوى وسلاسل التوريد أكثر تطورا.
في مزاد العام الماضي، مثلا، على مشاريع التوربينات ذات القاع الثابت في المملكة المتحدة – وهي أكبر سوق للرياح البحرية في العالم – وافقت شركات التطوير على بناء مخططات مقابل ضمان أن تكون أسعار الكهرباء نحو 40 جنيها استرلينيا لكل ميجاواط في الساعة. يقارن هذا مع بعض مشاريع الرياح البحرية الأولى في المملكة المتحدة التي وصلت أسعارها إلى 150 جنيها استرلينيا لكل ميجاواط في الساعة.
بالنسبة للمزادات الأولى على مشاريع الرياح العائمة في فرنسا، حددت السلطات سعرا أقصى قدره 120 يورو لكل ميجاواط في الساعة.
يعتقد برونو جيشير، رئيس قسم المبيعات والتسويق في شركة إيديول الفرنسية لتطوير القواعد العائمة، أن مشاريع الرياح العائمة ستستفيد أيضا من النمط التاريخي لخفض التكاليف الذي تحقق بالفعل في صناعة التوربينات التقليدية الأوسع نطاقا.
يقول: "جزء كبير من انخفاض التكاليف الذي شهدناه في مشاريع التوربيانات ذات القاع الثابت يمكن نقله فورا إلى مشاريع الرياح العائمة وتطبيقه عليها. نحن نستفيد من انخفاض تكاليف توربينات الرياح لكل ميجاواط (...) ومن خبرة شركات المقاولات البحرية وشركات توريد الكابلات الكهربائية، ومن كل ذلك".
لكنه يجادل بأن المستثمرين وشركات توريد مصفوفات توربينات الرياح العائمة سيحتاجون إلى "رؤية" واضحة حول حجم التنمية التي تريد الحكومات تحقيقها في المستقبل، وإلى اليقين بشأن آليات الدعم المعروضة للمشغلين. ويضيف أن إطار عمل كهذا يمكن أن يعكس التشجيع والإعانات التاريخية التي أسهمت في التخفيضات المستمرة في التكاليف التي تحققت في الصناعة البحرية التقليدية.
مع التشجيع الصحيح، كما يقول جيشير، يمكن أن تصل أسعار الطاقة المنتجة من الرياح العائمة إلى "40-60 يورو لكل ميجاواط في الساعة بحلول 2030" وهو السعر الذي وصلت إليه صناعة التوربينات ذات القاع الثابت.
التكلفة الصافية ليست العائق الوحيد أمام اتساع نطاق انتشار مشاريع الرياح العائمة، وفقا لفاندنبرج من "ويند يوروب" – هناك أيضا مهمة إثبات قوة مفاهيم الهندسة المتنافسة في هذا المجال.
يقدر أنه يوجد حاليا نحو 50 تصميما مختلفا للتكنولوجيا العائمة. تتنوع هذه التصاميم من "العوامات الصارية" – وهي أسطوانات مملوءة بالماء والحصى للحفاظ على استقامة التوربين - إلى القواعد العائمة. يعتقد فاندنبرج أنه ستتم تصفيتها "بالاختيار الطبيعي" إلى مجموعة صغيرة فقط.
يقول: "إذا كنت تريد تركيب مزرعة رياح عائمة بقوة 200 ميجاواط، فنحن نتحدث عن 20 عوامة، بالتالي كيف يمكنك إنتاجها بكميات كبيرة؟ ربما بعض التصورات تكون أسهل من غيرها".


