إيقاف رالي الأسعار والقروض

|
يعكس التسابق المحموم بين ارتفاع أسعار السلع والخدمات والأصول من جانب، وزيادة ضخ القروض المصرفية على اختلاف أنواعها، الوقوع في فخ الحلقة المفرغة للتضخم. ويعد التسابق الأكثر سخونة في هذا السياق الـ "رالي" القائم بين أسعار الأراضي والعقارات التي تلاحقها القروض العقارية بالارتفاع فترة بعد فترة، والدخول في حلقة مفرغة من التسابق نحو الصعود والسخونة، إلى الحد الذي تتكسر تحت أثقاله الضخمة الأطراف كافة، وما حدث خلال الأزمة المالية العالمية 2008 إلا نهاية من إحدى نهايات هذه الحلقة المفرغة للمطاردة المحمومة التي قامت بين أسعار العقار والقروض العقارية.
تأتي أهمية الحديث حول هذه القضية المحورية - أسعار الأراضي والعقارات، القروض العقارية - خلال المرحلة الراهنة التي يدور النقاش حولها داخل أروقة مجلس الشورى، بدءا من اقتراحات إلغاء الدفعة المقدمة النظامية للحصول على القرض العقاري - 10 في المائة من قيمة العقار -، وانتهاء بمقترحات تدعو إلى زيادة حجم القروض العقارية اللازمة، وهي المقترحات التي أثبتت التجارب العالمية قبل المحلية أن أضرارها أكبر بكثير من فوائدها "إن كانت لها فوائد في الأصل".
تشبه بداية تشكل العلاقة بين طرفي الأسعار والقروض العقارية، البداية التي تسبق تشكل الأعاصير، فإن سمحت لها الأوضاع المحيطة بالتعاظم في حجمها، فستصل إلى أن تصبح تسونامي عملاقا لا يقف في طريقه شيء، ولهذا تعمل الهيئات والمؤسسات الدولية على وضع المعايير والضوابط الصارمة التي تحكم السيطرة على كلا الجانبين - الأسعار، القروض -، ورغم كل ذلك إلا أن الاقتصادات والأسواق حول العالم من فترة زمنية إلى أخرى تتورط في الوقوع في النهاية المؤسفة لذلك الـ "رالي"، بدأت في غياب الرقابة اللصيقة لمخاطر نهاية هذه العلاقة الطردية الخطيرة، بالوقوع في مخالفات تم تقييمها على أنها متدنية أو تم التهاون فيها، سرعان ما آلت الأمور إلى النهاية الحتمية لتشكل ذلك الـ "رالي" المحموم، التي طالما تم التحذير من مسبباتها المؤدية إليه طوال فترات زمنية سبقتها.
أثبتت التجارب الطويلة والعديدة لما سبق الحديث عنه أعلاه، اصطدام الاقتصادات والأسواق والمجتمعات بنهايات مؤلمة جدا، اشتعلت نواتها من نقطة السماح بزيادة حجم القروض المصرفية دون قيد أو شرط، وقفت خلف الصعود المطرد للأسعار بصورة غير مبررة وخارج سياق مؤشرات الأداء الاقتصادي، ووقفت أيضا في الوقت ذاته خلف الزيادة المطردة للأعباء المعيشية على كاهل المقترضين. هنا في جانب آخر من الصورة المرتبطة بوضع الأفراد والأسر المقترضين، لا بد من الإشارة إلى أحد أهم تعريفات القروض الممنوحة للأفراد وآلية سداده مستقبلا لأعوام طويلة، أنه يتمثل أو يشبه استقطاع الفرد جزءا من إنفاقه مستقبلا الذي قد يستغرق 20 عاما أو أكثر، ليقوم بإنفاقه اليوم دفعة واحدة بما لا يتجاوز نصف مجموع الاستقطاعات المستقبلية من إنفاقه، أي إن المقترض قد يحصل اليوم على مليون ريال لأجل شراء مسكن، مقابل استغنائه عن إنفاق ضعف هذا المبلغ خلال 20 - 25 عاما مقبلة "مضافا إليه الفائدة المصرفية"، ويتمثل ذلك الاستغناء عن الإنفاق الاستهلاكي للفرد في استقطاع قيمة سداده أقساط ذلك القرض بنسب تراوح بين 50 و65 في المائة كحد أقصى.
يتجلى التأثير العكسي وثقيل الوزن للحالة أعلاه في الأداء الاقتصادي الكلي، وأداء منشآت القطاع الخاص وقدرتها على الإنتاج والتوظيف، من خلال تضاعف أعداد المقترضين من الأفراد والأسر، فمع كل زيادة في الاقتراض وأعداد المقترضين لأجل اللحاق بتسارع الأسعار المتصاعدة، ومع زيادة نسب استقطاع أقساط السداد الشهري المنتظم لأعوام طويلة مقبلة، تتضاءل في المقابل الحصص المتبقية للإنفاق والطلب المحلي من دخل الأفراد والأسر، وبتصاعد الضغط على حجم الإنفاق الاستهلاكي والطلب المحلي بالتزامن مع تصاعد حجم الاستقطاعات من الدخل الشهري سيجد الاقتصاد الكلي والقطاع الخاص أنهما أمام تدفقات أضعف مما يجب، ما سيؤدي إلى ضعف نموهما وقدرتهما على التوسع والتوظيف، عدا ما سيواجهان من تضخم مطرد في تكاليف التشغيل والإنتاج، سيزيد من الأعباء على كاهلهما ويحد في الوقت ذاته قدرتهما على النمو وتحقيق الاستقرار اللازم.
أن يتم القبول بمقترحات رفع حجم القروض المصرفية عموما، والقروض العقارية خصوصا، والقبول ضمنيا برفع نسب الاستقطاع لسداد مستحقات تلك القروض، وكل ذلك لأجل اللحاق بموجة ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، فهذا هو الخيار الأسهل بكل تأكيد خلال الفترة الراهنة، وهو أيضا الخيار الذي يحمل في نهاية طريقه من التحديات الجسيمة ما هو أصعب بكثير، ويمكن اعتبار هذا الخيار استسلاما أمام حالة التحدي الراهنة، أكثر من كونه حلا تم العمل وبذل الجهود لأجل الخروج به إلى دائرة التطبيق والاعتماد عليه.
في الوقت ذاته تتوافر خيارات أخرى أفضل وأكثر أمانا واستقرارا تنطلق نواة فكرتها الرئيسة من رفض الإذعان والاستسلام لفخ تلك الحلقة المفرغة بين الأسعار والقروض، والوقوف فعليا على الأسباب الحقيقية خلف تعاظم الأسعار بصورة خارج مؤشرات أداء الاقتصاد الوطني، والعمل فورا على معالجتها بصورة جذرية، وبحال آتت تلك الجهود ثمرتها، لن يجد أي من الأطراف ذات العلاقة نفسه مضطرا إلى زيادة حجم القروض عموما، والقروض العقارية خصوصا، ومن ثم اتخاذ الخيار الأفضل والأنسب الذي يكفل حماية مقدرات الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص والمجتمع على حد سواء.
إنشرها