يواصل صناع السياسة وأصحاب القرار في طهران وأنقرة حياكة مزيد من المكائد والمؤامرات على الأوطان والشعوب العربية، مستندين في ذلك إلى كراهية وحقد واستنقاص كل ما هو عربي، إذ يتعاونان ضد كل ما هو عربي، كما أنهما لا يبخلان ببذل كل ما لديهما من خبرات وأساليب ومكائد لتدمير الدول العربية، وهذا ينبع من طبيعة قومية حاقدة، تؤمن بأحقيتها العرقية على ما دونها من الأعراق، إذ يستلزم الكشف والاسترسال والتدقيق في المفاصل الرئيسة للتكوين السياسي والأيديولوجي والنفسي للنظام التركي الإخواني والفارسي، فكلاهما طامع في العرب وأرضهم، كما أن كل ما تقوم به طهران من تدخلات في شؤون الدول الخليجية والمنطقة العربية نابع من خطة الولي الفقيه الخمسينية، التي تهدف إلى تشييع العالمين العربي والإسلامي في 50 عاما، فيما تقدم تركيا نفسها باستمرار على أنها امتداد للمذهب السني، وأن نفوذها الخارجي هو ثمرة يعم خيرها الجميع، في حال نضجت في المنطقة، إذ إن سعيها يهدف إلى تحرير المقهورين والمظلومين العرب، حيث تقدم نفسها قوة خيرة، تدفعها سياسة خارجية مبادِرة وإنسانية، لتنفيذ مخططها الكبير في المنطقة.
لم تشفع 400 عام من الظلم والقهر العثماني للعرب لطردهم دون عودة، حيث إن الجسم العربي يرفض دماءهم تحت أي مبرر، كذلك مئات الأعوام من الحقد والدمار عاشها العرب تحت سيف الإمبراطورية الفارسية وما نتج عنها عبر التاريخ، لكن ما يميز أحفاد العثمانيين والفرس هذه الأيام، إضافة إلى المطامع التاريخية نفسها، أنهم يتبعون أساليب متشابهة، ويواجهون تغيرا في المواجهة، سمته الأبرز الحضور العربي القوي، الرافض لسياساتهم وتدخلاتهم، مع انكشاف كامل لزيف ادعاءاتهم ومبرراتهم، التي كانوا يسوقونها سابقا على الناس، وكانت تلقى صدى بينهم، لكن لسان حال العرب اليوم - عدا المنتفعين منهم - يقول "لا أهلا ولا مرحبا بكم في بلادنا".
لبس العثمانيون الجدد زي الإخوان المسلمين، ووجدوا به طريقا لإحياء أوهام الأولين، بعد أن لفظتهم الأرض الأوروبية، ورفضت أن يكونوا جزءا منها، ليعودوا إلى بلاد الشرق باسم الحرية والعدالة، فهم تعلموا جيدا من حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين ومنظرها وشيخها كيفية السيطرة على الدول والكيانات وتدميرها وهدمها، واستغلال الأوطان، إذ طبق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعاليم البنا بحذافيرها في الوصول إلى السلطة والتخلي عن رجالاته ممن أوصلوه إلى سدة الحكم، والتوسع نحو الشرق بعد أن استعصى الغرب على قبوله.
لجأ الرئيس أردوغان إلى البوابة الدينية للدخول منها، التي تتكئ على تاريخ الدولة العثمانية، من خلال الادعاء بتحرير فلسطين وشعبها، وكذلك سورية وشعبها، متخذها طريقة مثلى للتوسع، لكن واقع الحال غير ذلك، فسياساتهم تعمل على تعزيز الفرقة والانقسام، إذ بعث الرئيس التركي بجنوده وميليشياته إلى سورية ليحتل منطقة شمال الفرات، معتمدا على السياسة الإيرانية في تنفيذ أجنداته، إذ لجأ إلى نظرية أم القرى الإيرانية، التي صاغها محمد جواد لاريجاني، التي تبيح لمتبنيها في مضامينها العامة نشر النموذج الثوري الإيراني ودعم الحركات الإرهابية وتصدير مُثلها إلى الدول الإقليمية المحيطة، ودعم أي حركات حتى إن لم تكن دينية أو تتفق مع توجهاتها والسيطرة الإقليمية، فكان لزاما على الدولة التركية الاقتداء بإيران وتبني سياستها التوسعية، من خلال دعم الميليشيات المسلحة في ليبيا، وكذلك الانتشار في تونس، والأردن، من خلال أذرع إخوانية مسمومة كالقنابل الموقوته، تستخدم عبر الريموت كنترول، ولا ننسى القاعدة الإخوانية في غزة الفلسطينية المعروفة بحركة حماس.
طبق الأتراك ومن خلفهم الإخوان النظرية الإيرانية بحذافيرها، وكان التسويق قطريا، من خلال قناة الجزيرة، فهي الأخرى إحدى القواعد المركزية والإعلامية للجماعة، إضافة إلى أنها الذراع المالية، المكلفة بالإنفاق وتمويل عمليات الأتراك الإرهابية داخليا وخارجيا، كما أنها مطبخ عمليات الجماعة، فهناك تعد وصفات التآمر على العروبة والإسلام، بمباركة القرضاوي ونفحات عزمي بشارة، وفيها وتد عثماني زرعه نظام الحمدين للتآمر على الخليج العربي وأهله، ومنها مدت جسور التعاون مع الفرس خلال أكثر فترات التوتر التي تعيشها دول الخليج مع نظام الملالي، الذي بذل كل ما لديه لزرع بذرة في الخليج خصوصا في البحرين وفشلت محاولاته في إنباتها، لكن نظام الحمدين مكن البيئة اللازمة والمناسبة لها، حتى باتت خطرا على شعب قطر خصوصا والخليج عموما.
تقوم علاقة التوسع التركية الإيرانية على تبادل الخبرات، فلا يقتصر الأمر على الامتثال التركي للنظرية الإيرانية، فالعكس صحيح كذلك، إذ يطبق نظام الملالي السياسة المذهبية العثمانية في الدول العربية، من خلال الانتشار الطائفي، وقد لقيت هذه النظرية مع الأسف نجاحا عند من يقدمون المصالح الشخصية على مصالح الأوطان، ففي لبنان عاث حزب الله في الأرض الفساد وجعل من لبنان قاعدة إيرانية، ودولة فاشلة تعاني شبح الانهيار، الذي تعانيه بصورة متقدمة اليمن بعد انهيار أغلبية مؤسسات الدولة بسبب انقلاب جماعة الحوثي الإرهابية على النظام الحاكم في البلاد، والعراق ليست ببعيدة عما يجري في اليمن ولبنان، لكن جروحها أعمق فهي الجار المحاذي لإيران، التي لم تحترم حق الجيرة وتصونه، فقتلت العلماء ونهبت خيرات البلاد، وجعلت منها نموذجا للخراب والدمار، بسبب دور مخابراتها، وميليشياتها، التي لم تكتف بتحويل البلاد إلى خرابة، بل تسعى إلى إكسابها عداوة الدول العظمى، باستهداف ميليشياتها القواعد الأمريكية هناك، خصوصا عقب مقتل القيادي الإيراني قاسم سليماني، الذي سفك دماء الثوار العراقيين المطالبين بتحرير العراق من عبودية إيران، فقائد ميليشيا فيلق القدس لم يرتو بدماء العراقيين، فأنيابه كانت مغروسة في شرايين الشعب السوري، ومص دماء السوريين من النساء والشيوخ، والأطفال والشباب، حتى قتل من قتل وهجر من هجر فكان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق نظرية البنا، المعروفة بنظرية البيضة، في استيلاد دولة من التنظيم، وهي نظرية لم يخترعها الفلاسفة والمنظرون، لكنها شديدة الانتشار في مزارع الدواجن، تقول "بقدر ما تخلص الدجاجة في رقادها على البيض، لا بد أن يخرج الصوص مطابقا لملامح أبويه ومخلصا لهما، وهو ما سيندهش له العالم حين ستفقس هذه البيضة دولة من طراز خاص".
تتمثل المتغيرات اليوم في وجود تيار عربي قوي عالي المناعة في مواجهة المخاطر العثمانية والفارسية، فهنالك رفض لكل ما هو متطرف أيديولوجيا، أيا كان مذهبه وتوجهه، إذ تواجه دول الخليج العربي التدخلات الإيرانية بتقطيع أوصالها في اليمن، من خلال التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وكذلك تواجه جمهورية مصر العربية التدخلات التركية في ليبيا، وتضع حدا لمطامعها هناك.



