الأمن المائي .. وإنجازات التحلية

|
رحم الله ذلك الفلاح الذي وقف قبل أكثر من 70 عاما يراقب مزرعته تموت تدريجيا، لأن الماء في البئر نضب كعادته في كل صيف، ومد يديه للسماء داعيا ربه ألا يجعل رزقه في متر ماء يظهر ويختفي، وأن يفتح على عباده جميعا أبواب الخير غيثا نافعا غير ضار. وبعد عام ذهب ذلك الفلاح من نجد إلى المنطقة الشرقية ووقف على شاطئ البحر فدهش لوفرة المياه، وقال لمن معه هذا هو الحل لمزرعتي لو وصل إليها وقالو له، لكنه مالح، فرد عليهم ولو كان كما تقولون فهو الحل وربما يجدون طريقة تذهب بالملح ويبقى الماء الذي نريد، وكأنه بذلك يتنبأ بالتوسع في تحلية المياه التي لم تكن معروفة آنذاك إلا على نطاق محدود في مدينة جدة وعرفت باسم (الكنداسة)، التي أمر الملك عبدالعزيز بإنشائها في 1348هـ لتوفير مياه الشرب. ثم انطلقت مسيرة تحلية المياه في بلادنا على نطاق أوسع في محافظتي الوجه وضباء على البحر الأحمر، ثم محطة أكبر في مدينة جدة في 1390هـ بطاقة قدرها خمسة ملايين جالون يوميا إضافة إلى توليد الكهرباء، وصدر المرسوم الملكي بإنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة في 1394هـ وظلت مشاريعها تؤسس وتعمل على إنتاج ملايين الأمتار المكعبة من المياه في مختلف المناطق وآخرها محطة (الشقيق)، التي دشنت أخيرا وتغذي عسير وجازان بأكثر من 40 ألف متر مكعب من المياه يوميا، وهي واحدة من تسع محطات جديدة أقل استهلاكا وأكثر موثوقية يجري استكمالها على ساحل البحر الأحمر، لتوفير الاحتياجات في مختلف مناطق ومدن المملكة في سياق التنمية المائية المستدامة وفق مستهدفات "رؤية 2030". ومن الجوانب المهمة التي اعتمدت في جميع مشاريع التحلية العمل على تقليل التكلفة واختصار مدة تنفيذ المشاريع، حتى نفذ مشروع محطة (الشقيق) في ستة أشهر فقط وهي ثلث المدة المقررة للتنفيذ، على الرغم من المعوقات التي كانت من بينها أزمة كورونا وما أحدثته من تعطيل للأعمال في جميع الدول.
وأخيرا: الأمن المائي في أي دولة صحراوية لا يمكن أن يعتمد على الآبار الجوفية فقط، ولذا فقد جاءت مشاريع تحلية مياه البحر العملاقة لتكون هي الأمن المائي في بلادنا، خصوصا مع التوسع في الأبحاث العلمية التي تستهدف رفع كفاءة محطات التحلية لمياه الشرب وبحوث الزراعة باستخدام المياه المالحة أو المحلاة بدرجة أقل.. خاصة أن ملف الأمن المائي يدار بكفاءة عالية تحت إشراف وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن الفضلي، وكذلك الفريق السعودي العامل في المؤسسة العامة لتحلية المياه بقيادة محافظ المؤسسة المهندس عبدالله العبدالكريم، وبهذه الجهود تصدرت السعودية دول العالم في خفض تكلفة إنتاج المياه إلى 2.5 ريال للمتر المكعب وهي التكلفة الأرخص عالميا، كما أن كمية المياه المحلاة هي الأعلى عالميا. كما أنشأت المؤسسة أكبر وحدة تحلية مياه في العالم بتقنية التقطير متعدد التأثير، وترعى أبحاثا علمية مع جامعات عالمية، لرفع الاستفادة وتوطين هذه الصناعة.
والخلاصة: مسيرة تحلية مياه البحر في بلادنا من الإنجازات التي يعتز بها الوطن والمواطن، ويكفي القائمين عليها فخرا أن شكرهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته للمؤسسة في 2018 على زيادة الإنتاج مع المحافظة على خفض التكلفة. والمؤمل أن تحقق المملكة ريادة عالمية في مجالات الاستفادة من المياه المالحة وأن تجري مزيدا من الأبحاث العلمية حول هذا المجال المهم.
إنشرها