مشكلة البطالة وزيادة الطاقة التشغيلية للأعمال

|
الاقتصاد السعودي قادر على تشغيل ضعف العمالة التي تعمل فيه الآن، وهذا الحديث ليس من باب التخرصات الاقتصادية، بل من باب المقارنة بدول العشرين الأكبر اقتصادا في العالم، ومقارنة باقتصاديات أقل تشغل قوى عاملة تصل إلى 25 مليون عامل. ولفهم المشكلة، لماذا لا يقوم الاقتصاد بفعل ما يجب فعله وأن يستوعب العمالة المعطلة الآن، بل يبقى هناك فوائض كبيرة في السوق؟ هنا أقول، إن الناتج المحلي للمملكة يتجاوز 2.6 تريليون ريال، مقسمة بين ثلاثة قطاعات، هي القطاع النفطي بقيمة 1.09 تريليون ريال، والقطاع الخاص بقيمة 1.07 تريليون ريال، والقطاع العام بقيمة 0.45 تريليون ريال. وجاء عدد المشتغلين في الاقتصاد في عام 2020 أكثر بقليل من 11 مليون مشتغل، بين سعودي وأجنبي، بينما متوسط ساعات العمل 43 ساعة في الأسبوع، ومتوسط الأجر 6400 ريال، ذلك حسب المسح الإحصائي الأخير. لذا، فإنه يمكن القول "جدلا" إن قيمة مساهمة العامل في الناتج المحلي 77 ألف ريال تقريبا، وبما أن لدينا 11مليون عامل، فإنهم أسهموا جميعا بما قيمته 847 مليارا، وبذلك فإن الباقي من الناتج المحلي تم إنتاجه من خلال الأصول ورأس المال، والأصول هنا تشمل الآلات. والمعنى هنا، أن هذه الأصول لم تنتج لنا سوى 1.75 تريليون، وإذا استبعدنا من هذه الأرقام أن هناك 1.09 تريليون ريال لقطاع النفط، فإنه لم يبق أمام القطاعين العام والخاص سوى أقل من 660 مليار ريال من مساهمة الأصول، وهو رقم محدود جدا، مع حجم الاستثمارات الضخمة التي تشهدها سوق المال، كما أن تقرير "الاقتصادية" عن أكبر 100 شركة سعودية، أكد أن حجم إجمالي الأصول في هذه الشركات تجاوز أربعة تريليونات ريال، بينما مساهمتها أقل بكثير من 600 مليار ريال. لذا، فإننا نجد أن مساهمة 11 مليون عامل بلغت 800 مليار ريال، بينما مساهمة أكثر بكثير من 400 تريليون ريال لم تتعد 660 مليارا، وبهذا سندرك فورا حجم المشكلة.
من الواضح جدا أن هناك أصولا ورؤوس أموال معطلة بشكل كبير في الاقتصاد السعودي، وأن معظم الناتج المحلي يأتي من خلال قوة العمل، بينما استخداماتنا للآلة لم يزل ضعيفا. لذا، فإن مشكلة البطالة ليست في وجود عمال أجانب بقدر ما هي في تعطيل الأموال في أصول غير منتجة وآلات محدودة الشكل والعدد. وعليه، نحن في حاجة إلى إعادة النظر إلى هذه المشكلة من خلال تحفيز القطاعين الخاص والعام على مزيد من المغامرة وإدخال مزيد من الأصول إلى العملية الإنتاجية، فهذا الاقتصاد في حاجة إلى مزيد من العمال، ويمكننا بسهولة شديدة امتصاص جميع القوى العاملة المتعطلة حاليا، وهي قليلة العدد، حيث لم تصل إلى المليون، وهناك فرصه لمزيد من الاستثمارات الناجحة من أجل استيعاب هذه الأعداد.
هذه الاستنتاجات الرقمية قد يجادل البعض حولها، لكن ماذا لو كان هناك أدلة من واقع الاقتصاد؟ فقد شهد قطاع الشحن والقطاع اللوجستي مشكلة ضغط كبيرة جدا في الأيام والأشهر الماضية، وما ذلك إلا لأن هذا القطاع يقوم بتشغيل أقل ما يمكنه من العمال، ويستخدم أقل ما يمكنه من الآلات، فقط ما يكفي لتحقيق عوائد مجزية لرأس المال، ويخفف من الأعباء والمصروفات الإدارية ومصروفات الرقابة والإشراف. كما شهدنا، ونشهد، كيف أن حجم القوى العاملة في عديد من المؤسسات الكبرى، ضعيف مقارنة بحجم العمل، وما زال هناك عديد من الوظائف لم يتم تشغيلها بعد في السوق السعودية، ومن ذلك وظائف العلاقات العامة بكل تفاصيلها، فقليل من الشركات تهتم بهذه الوظائف، ولا تراعي القيمة المضافة التي تقدمها. كما أن وظائف الحراسات الأمنية لم تزل محدودة جدا، ويمكن ملاحظة مبان سكنية ضخمة بلا حراسات أمنية، وهذه من الوظائف التي يمكن للاقتصاد استيعابها بسهولة.
معالجة البطالة لدينا تعاني ضعف الإبصار، وهي منشغلة تماما بمسألة التوطين، وتعدها الحل الوحيد المتوافر. ورغم أهمية التوطين، وأهمية إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية، فإن مسألة معالجة البطالة مسألة أخرى تماما، ويجب علينا النظر إليها بشكل سليم وبقوة إبصار متوازنة، فالقطاع الخاص لا ينتج وظائف تتناسب مع حجم أصوله، ومع حجم أعماله، ويحاول بشتى الطرق التخفيف من أعداد العمال حتى لو ضحى بمزيد من الأرباح طالما أن ذلك يخفف عنه أعباء الرقابة والإشراف. وهنا في نظري أصل المشكلة التي يجب معالجتها.
إنشرها