الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

عبر التاريخ الإنساني عاش البشر لقرون طويلة في مدن صغيرة أو قرى ريفية أو البادية، لكن نسبة سكان الكرة الأرضية، الذين يعيشون في المدن نمت بسرعة على مدى القرنين الماضيين، فمن 5 في المائة في عام 1800 إلى 13 في المائة عام 1900، إلى 34 في المائة عام 1960.

ومثل عام 2008 عام فارق ليس بوصفه العام، الذي شهد بدايات أزمة مالية تحولت سريعا إلى أزمة اقتصادية، وإنما لأنه في هذا العام بلغ سكان المدن والبلدات في العالم نصف سكان الكرة الأرضية حينها.

في بدايات هذا الشهر بلغ عدد سكان كوكبنا 7.8 مليار نسمة، أكثر من نصفهم قليلا وتحديدا 55 في المائة منهم من سكان المناطق الحضرية. ويتوقع لهذه النسبة أن ترتفع إلى 68 في المائة بحلول 2050، فالتحول التدريجي في إقامة السكان من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، إضافة إلى النمو السكاني الطبيعي في المناطق الحضرية سيضيف نحو 2.5 مليار نسمة إلى سكان الحضر بحلول منتصف القرن، بينما 90 في المائة من تلك الزيادة سيحدث في آسيا وإفريقيا.

يتجلى اتجاه الإنسانية إلى مزيد من الإقامة في المناطق الحضرية بشكل متزايد منذ منتصف القرن الماضي في القفزات، التي حدثت في عدد سكان المناطق الحضرية من 751 مليون نسمة 1950 إلى 4.2 مليار نسمة 2018، ويتركز أغلب سكان المناطق الحضرية في القارة الصفراء (آسيا) موطن 54 في المائة من سكان الحضر في العالم، تليها أوروبا وإفريقيا 13 في المائة لكل منهما.

الخلاصة من تلك الأرقام أن المدن والبلدات باتت يوما بعد آخر مركز التركز السكاني للبشرية، وبالتالي أصبحت ضرورية للاقتصاد العالمي في الوقت الراهن والمستقبل، فزيادة عدد المدن وسكانها جزء أساسي من تطور معظم الدول نحو اقتصاد أقوى وأكثر استقرارا.

وبحسب الخبراء والتقارير، فإن الاتجاه إلى توسع المدن والبلدات وزيادة عدد سكانها اتجاه عالمي قد يصعب إيقافه، أو تحويله أو حتى الحد منه، فالمساهمة الاقتصادية للمدن من القوة بحيث تحولت إلى نقطة الجذب الرئيسة، وربما الوحيدة في أغلب الاقتصادات العالمية، حيث إن أكبر 100 مدينة في العالم تسهم بنحو 35 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما تشكل أكبر 2000 مدينة في العالم 75 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي.

وتتضح عوامل الربط بين تزايد أعداد المدن وقاطنيها مع تنامي القوى الاقتصادية في أن 82 في المائة من سكان أمريكا الشمالية من سكان المناطق الحضرية، بينما لا يزال أغلبية سكان القارة الإفريقية من سكان الريف، ولا تمثل نسبة سكان المناطق الحضرية في القارة السمراء غير 48 في المائة من إجمالي السكان، بل إن دول الجنوب، التي زاد فيها معدل التحضر العمراني بسرعة كبيرة خلال العقد أو العقدين الماضيين هم الذين لديهم أسرع معدلات النمو الاقتصادي.

من جهته، يقول لـ"الاقتصادية"، البروفيسور إل. ستينمتز أستاذ التنمية العمرانية في جامعة "أكسفورد"، "التحضر العمراني واقع معقد فهو يوفر الثروة والازدهار لكن في الوقت ذاته له تكلفة مرتفعة، فيجب إنشاء إطار مالي لتغطية تلك التكلفة من خلال الضرائب، إلى جانب سياسات عامة للحفاظ على المدينة في حالة جيدة، والتوسع العمراني يظهر أحيانا في شكل عفوي، غالبا على شكل أحياء فقيرة، لكن يجب تحسينه من خلال العمليات الرسمية مثل التخطيط الحضري".

ويضيف "اقتصادات الحجم تظهر بصورة ملموسة في المدن الكبرى، فالحجم والتنوع يوجدان سوقا تكاملية للمستهلكين، كما أن التكتل الاقتصادي، الذي تقوم به الشركات والنابع من كونها تقع على مقربة مع الذين يعملون في شركات مماثلة أو ذات اهتمام مشترك يؤدي إلى تخفيض تكلفة الأعمال مع زيادة الكفاءة والإنتاجية".

لكن الإيجابية الاقتصادية لمساهمة المدن الكبرى تتواكب مع تحديات تؤدي إلى تآكل كثير من تلك المساهمات.

بدورها، تؤكد لـ"الاقتصادية" إيملي كريس الباحثة في المجال البيئي أن المدن مسؤولة بالفعل عن توليد أكثر من 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للعالم، لكنها تستهلك معظم طاقة العالم في الوقت ذاته، وباتت مصدرا لـ70 في المائة من الانبعاثات الغازية في العالم، متوقعة أن تزداد تلك النسبة مع نمو التوسع العمراني.

وتقول "هناك بعض التهديدات الخطيرة للمدن خاصة الكبرى منها ويجب الإسراع في معالجتها، فـ80 في المائة من المدن الكبرى معرضة لآثار شديدة من الزلازل و60 في المائة من العواصف والتسونامي، ويواجه الجميع تأثير تغير المناخ، الذي يشمل ارتفاع منسوب مياه البحر".

يضاف بالطبع إلى تلك التحديات مشكلة المياه، وهي مشكلة ذات صبغة دولية في كثير من أنحاء العالم، حيث إمدادات المياه النظيفة محدودة للغاية، ويتطلب الأمر استثمارات ضخمة للغاية لإنشاء محطات لمعالجة المياه وطاقة لتشغيلها، إضافة بالطبع إلى آليات سياسية لضمان وصولها إلى الجميع بأسعار في متناول الفئات الأكثر فقرا في المجتمع.

وحول قضية المياه تحديدا، يشير لـ"الاقتصادية"، جيران جوردن الخبير في الشؤون المائية في معهد الموارد العالمية، إلى أن الحصول على المياه جزء من أهداف التنمية المستدامة، التي حلت محل الأهداف الإنمائية للألفية عندما انتهت صلاحياتها في 2015، وقد أبلغ عديد من الدول الأمم المتحدة أنها أحدثت تحسنا في توفير المياه في المناطق الحضرية عامة والمدن خاصة، لكن مجرد توفير المياه عبر الأنابيب لا يعني حل المشكلة المائية للمدن.

ويضيف "فهذا لا يجيب على الأسئلة المتعلقة بجودة المياه، أو عدد الساعات التي تصل فيها المياه إلى السكان، ومدى اعتماد المواطنين على مصادر المياه الخاصة مثل بائعي المياه المحليين، حيث يمثل ذلك عبئا اقتصاديا على السكان".

ويوضح جيران جوردن أن المناطق الحضرية الكبيرة في البلدان النامية لا تصل المياه إلا لـ30 في المائة من السكان، و50 في المائة لديهم صرف صحي مناسب، مبينا أن البنك الدولي أشار في تقرير له إلى أن الفشل في تنفيذ سياسات أفضل لإدارة المياه يمكن أن يؤدي إلى خسائر في الناتج المحلي الإقليمي من 2 إلى 10 في المائة بحلول 2050.

تلك المخاوف البيئية ربما لا يوجد لها إجابة واحدة لجميع المدن، لكن المؤكد أن الجهود العالمية، التي بذلت في العقد الأخير تجاه الحد من تلك المخاطر حققت نجاحات ملموسة، فإخراج عديد من المصانع الملوثة للبيئة خارج النطاق الإداري للمدن، يجعل النشاط الاقتصادي للمدينة أميل إلى النشاط المكتبي والخدمي، ومن ثم يخفض معدلات التلوث.

كما أن الاتجاه العام الراهن في جعل المدن أقل انبعاثا للغازات لكل مقيم، تحقق نتائج ملموسة، فقد انخفضت انبعاثات الكربون من 36 في المائة 2005 إلى 31 في المائة 2017. تلك التحسينات لا تنفي بالطبع أن توفير فرص عمل عالية الجودة مع خفض الانبعاثات الغازية سيكون تحديا صعبا لمدن المستقبل.

مع هذا تواجه المناطق الحضرية، خاصة المدن الكبيرة ضغوطا من أنواع أخرى تحد من إمكانية تعزيز مساهمتها الاقتصادية، فالأحياء الفقيرة أو ما بات يعرف بمدن الصفيح تعد مشكلة دائمة وملحة، ولا يتعلق الأمر بمسألة إسكان وتوفير منزل لكل مواطن فقط، فهناك حاجة دائمة إلى ضخ مزيد من الاستثمارات في المدن لإيجاد وظائف جديدة، حتى يمكن لسكانها توفير دخل كاف للعيش فيها.

كما أن إنتاجية سكان المدن أعلى من نظرائهم في الريف، فلندن لديها 20.3 من السكان وتسهم في 25.4 من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة. ينطبق الأمر على باريس وطوكيو وغيرهما من المدن الكبرى في الاقتصادات المتقدمة.

وتمتد الظاهرة إلى الاقتصادات الناشئة أيضا، فعدد سكان مدينة شنغهاي الصينية يمثل 1.2 في المائة من السكان، يولدون 2.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مومباي عدد سكانها 2 في المائة من سكان الهند وتساهم بـ6.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن إدراك الأهمية الاقتصادية للمناطق الحضرية، وضرورة تعزيز البنية التحتية لها، لا يجب أن يأتي على حساب تجاهل الفجوة الوطنية بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية عندما يتعلق الأمر بتوزيع الثروة والدخل على المستوى الوطني، إذ إن عدم تحقيق التوازن المطلوب، يجعل المناطق الحضرية تفشل في أداء دورها كعصب للاقتصاد الوطني الحديث.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية