أخبار اقتصادية- عالمية

الاقتصاد العالمي أمام مفترق طرق بعد الجائحة .. الفجوة تتزايد بين الدول المتقدمة والصاعدة

خلال الشهور الأولى من أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد كانت وظيفة وزراء المالية في مختلف دول العالم مجرد سد الفجوة المالية، ولكي يبقوا على الاقتصاد حيا، كانوا يحتاجون معرفة احتياجات الأشد تضررا من الأزمة، ثم مواءمة ذلك مع القدرة المالية للحكومة.
ووفقا لـ"الألمانية"، لم يكن القيام بهذه المهمة أمرا صعبا للغاية وإن كان بالغ التكلفة، أما الآن فأصبحت وظيفة وزراء المالية الأساسية هي مساعدة الاقتصاد في الخروج من تداعيات مرحلة الإغلاق وما يمكن أن تكون أو لا تكون أقل تكلفة، لكنها مهمة أصعب بحسب ستيفاني فلاندرز كبيرة محللي الاقتصاد البريطاني والأوروبي في مؤسسة مورجان ستانلي أسيت مانجمنت لإدارة الأصول.
وترى فلاندرز في تحليل اقتصادي نشرته وكالة بلومبيرج للأنباء أنه على سبيل المثال فإن روشي سوناك وزير الخزانة البريطاني يتعرض لانتقادات عنيفة، لأن البعض يرى أنه بالغ في الإنفاق العام للتعامل مع تداعيات الجائحة والبعض الآخر يرى أنه لم يخصص ما يكفي من الأموال للإنفاق العام في مواجهة الجائحة.
وأكدت أن الحقيقة أن كلا المعسكرين يمكن أن يكون على صواب، فقد يقول التاريخ فيما بعد إن وزير الخزانة البريطاني بدد مليارات الجنيهات الاسترلينية في مكافأة الشركات التي أعادت توظيف العمال الذين كان قد تم تسريحهم، رغم أن هذه الشركات كانت ستعيد توظيف العمال على أي حال.
وأضافت، "في الوقت نفسه فإن تخصيصه 30 مليار جنيه استرليني (1.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي) كحزمة تحفيز إضافية لم يكن كافيا لحماية التعافي الاقتصادي، وبالتالي فإن سوناك لن يكون آخر وزير مالية يكتشف أنه سيتعرض للانتقاد إذا فعل ذلك، وسيتعرض له أيضا إذا لم يفعل.
وأكدت أن صناع السياسة الاقتصادية في العالم يحتاجون إلى وضع خطة اقتصادية سليمة في هذه المرحلة لمعرفة إلى أي مدى ستتم السيطرة على فيروس كورونا خلال الشهور المقبلة؟ وما الحد الأقصى الممكن للناتج المحلي للاقتصاد في ظل ظروف التباعد الاجتماعي الراهنة؟
وتقول ستيفاني فلاندزر التي عملت لمدة خمسة أعوام كمحررة اقتصادية في هيئة الإذاعة البريطانية قبل أن تنقل إلى "مورجان ستانلي" في عام 2013 إنه لا توجد إجابة لهذين السؤالين بالفعل، في الوقت نفسه فإن الطلب الاستهلاكي في الدول التي خرجت بالفعل من إجراءات الإغلاق الاقتصادي رسميا، أقل كثيرا ما يجب أن يكون عليه، فهل السبب وراء ذلك هو خوف المستهلكين من فقدان وظائفهم؟ أم خوفهم من الإصابة بالفيروس؟
وأكدت أنه لكي يتم وضع خطة اقتصادية جيدة يجب أن تعرف الإجابة على هذا السؤال أيضا، ولكي تقدم الحكومات الدعم الفعال للعمال في مواجهة تداعيات كورونا يجب معرفة عدد الوظائف أو الشركات التي تلاشت منذ بداية الأزمة ولن تعود.
وترى أنه ببساطة يجب معرفة حجم الأنشطة الاقتصادية التي ما زالت تستحق الحماية والدعم، لأن لديها فرصة حقيقية للتعافي، وحجم الأنشطة التي تحتاج إلى إعادة إطلاق من الأساس، إذ إن الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات الصاعدة ستتزايد في هذه المرحلة الجديدة من الأزمة.
وقالت، "الدعم المالي والنقدي لدى الاقتصادات المتقدمة يناسب أو حتى يتجاوز حجم الأضرار قصيرة المدى التي لحقت بها نتيجة الجائحة، في المقابل هناك بعض الاقتصادات الصاعدة مثل الصين وإندونيسيا حققت الميزة نفسها، لكن باقي الاقتصادات الصاعدة واجهت الأزمة وهي ضعيفة، لذلك لم تكن قادرة على توفير الدعم المالي والنقدي المطلوب لمواجهة الأزمة.
بدوره يقول زياد داوود المحلل الاقتصادي بوكالة بلومبيرج، إنه دون مزيد من الدعم العالمي للدول الصاعدة ستتحول هذه الأزمة العارضة إلى أزمة دائمة، ومع ذلك تقول ستيفاني فلاندرز إنه حتى الحكومات الغنية ذات القدرة الكبيرة على الاقتراض من أسواق المال التي لديها بنوك مركزية داعمة ويعتمد عليها، قد تجد الأمور قد أصبحت أكثر فوضوية من الآن فصاعدا.
وأكدت أن ذلك يعني ضرورة التزام وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بعدم إيجاد مزيد من العقبات الجديدة في طريق التعافي الاقتصادي إلى جانب العقبات التي سببتها الجائحة.
وأضافت، "رغم أن وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لا يمكنهم مثلا الحيلولة دون تفجر موجة جديدة من العدوى بالفيروس، ولا وضع الجدول الزمني لإنهاء الإغلاق والتخلي عن قواعد التباعد الاجتماعي، فإنه يمكنهم المساهمة في تحسين الأوضاع الاقتصادية.
وتشير فلاندرز إلى أن التسرع في سحب إجراءات التحفيز والدعم الاقتصادي هو خطأ يجب تجنبه، حيث إن التوقعات تشير إلى أن أغلب البنوك المركزية ستبقي على دعمها الاستثنائي للبنوك والاقتصاد ككل حتى نهاية العام الحالي على أقل تقدير، لا سيما أن البعض منها ترى أن معدل التضخم سيكون أعلى ما كان عليه في أعقاب الأزمة المالية العالمية السابقة، وأن هذا التضخم ليس الخطر الحقيقي، لكن الخطر الحقيقي هو الكساد الاقتصادي الذي يؤرق الحكومات.
وتتوقع أسواق المال حاليا أن يكون معدل التضخم خلال الأعوام الخمسة المقبلة ما بين 1 إلى 1.5 في المائة، لكن انخفاض المعدل عن هذا المستوى بمقدار نقطة أو نقطتين مئويتين سيكون كارثة بالنسبة للاقتصاد العالمي،
مقارنة بما يمكن أن يحدث إذا ارتفع المعدل بمقدار نقطة أو نقطتين.
في ضوء كل هذه الحقائق، فإن دول العالم ستجد نفسها خلال العام المقبل وما بعده أمام اقتصادات شديدة الاختلاف، وسيكون من المحتم أن يتجه التركيز إلى التعامل مع الآثار طويلة المدى للأزمة على ميزانيات الحكومات، وإلى مصداقية البنوك المركزية على المدى الطويل وإلى نطاق وقوة سلاسل الإمداد والتوريد العالمية.
في المقابل سيكون تركيز الناخبين على تقييم مدى كفاءة الحكومات في توفير الحماية للفئات الأضعف في المجتمع أثناء الأزمة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية