إن جائحة كوفيد - 19 تهدد بفقدان أحد مصادر الدخل الحيوية في الدول الفقيرة والهشة، وتخيم حالة من العجز على اقتصادات الدول الغنية والفقيرة على حد سواء بسبب جائحة كوفيد - 19. غير أن تداعيات الصدمة الاقتصادية ستكون أكثر حدة في عديد من الدول منخفضة الدخل والهشة، بسبب توقف تحويلات العاملين في الخارج - أي النقود التي يرسلها العاملون في الدول الأجنبية من المهاجرين والعمالة المؤقتة إلى دولهم. فتدفقات تحويلات العاملين في الخارج تمثل شريان حياة للدول منخفضة الدخل والهشة، حيث تسهم في دعم الأسر وتوفير الإيرادات الضريبية التي تحتاج إليها هذه الدول بصورة ملحة. واعتبارا من 2018، بلغت تدفقات تحويلات العاملين في الخارج إلى هذه الدول 350 مليار دولار، لتتفوق بذلك على الاستثمارات الأجنبية المباشرة واستثمارات الحافظة والمساعدات الأجنبية بوصفها أهم مصادر الدخل من الخارج على الإطلاق. ويرجح أن يؤدي تراجع تدفقات تحويلات العاملين في الخارج إلى زيادة الضغوط الاقتصادية والمالية العامة والاجتماعية على حكومات هذه الدول التي تواجه صعوبات بالفعل في التكيف مع الأوضاع في الأوقات العادية.
وتحويلات العاملين في الخارج هي تحويلات دخل خاص مضادة للاتجاهات الدورية أي أنها تتدفق من خلال المهاجرين إلى الدولة التي تمثل مصدر الهجرة حال تعرضها لصدمة اقتصادية كلية، وهي تسهم بالتالي في تأمين أسر المهاجرين في دولهم الأصلية ضد صدمات الدخل، ومن ثم دعم استهلاكهم وتخفيف تقلباته. وتمول هذه التحويلات أيضا موازين التجارة، وتعد مصدرا للإيرادات الضريبية للحكومات في هذه الدول التي تعتمد على ضريبة القيمة المضافة والتجارة وضرائب المبيعات. وفي ظل الجائحة الحالية، تتطلب التداعيات السلبية الناجمة عن توقف تحويلات العاملين في الخارج استجابة جماعية - ليس لمصلحة الدول الفقيرة فحسب، بل لمصلحة الدول الغنية أيضا. فأولا، يجب أن يدرك المجتمع العالمي ضرورة بقاء المهاجرين في دولهم المضيفة لأطول وقت ممكن. فالاحتفاظ بالمهاجرين يساعد الدول المضيفة على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية أو معاودة تقديمها داخل اقتصاداتها، كما يسمح باستمرار تدفق التحويلات إلى الدول المتلقية، حتى إن قلت بدرجة كبيرة. ثانيا، يجب أن تتدخل الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية أيضا لمساعدة الدول الأصلية للمهاجرين في مكافحة الجائحة والتخفيف من أثر الصدمة الناجمة عن فقدان تدفقات الدخل الخاص تلك في الوقت الذي يوجد فيه احتياج ماس إليها في الدول منخفضة الدخل والهشة. إن تحويلات العاملين في الخارج هي عبارة عن تدفقات دخل تؤدي إلى تزامن الدورات الاقتصادية بين عديد من الدول المتلقية والدول المرسلة. وخلال أوقات الرخاء، تعود هذه العلاقة بالكسب على الطرفين، حيث تتوافر للدول المضيفة القوة العاملة التي تحتاج إليها بصورة ماسة لدعم اقتصاداتها، كما يتوافر للأسر في الدول الأصلية للمهاجرين الدخل الذي تحتاج إليه بشدة. غير أن هذا الارتباط الوثيق بين الدورات الاقتصادية في الدول المضيفة والدول المتلقية تنشأ عنه تداعيات سلبية محتملة. فالصدمات التي تتعرض لها اقتصادات الدول المضيفة للمهاجرين - كالصدمات الناجمة عن جائحة فيروس كورونا المستجد - يمكن انتقالها إلى اقتصادات الدول المتلقية للتحويلات. فبالنسبة للدولة المتلقية التي تمثل التحويلات الوافدة إليها ما لا يقل عن 10 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي السنوي، على سبيل المثال، يرجح أن يؤدي تراجع فجوة الناتج أي الفرق بين النمو الفعلي والممكن بنسبة 1 في المائة في الدولة المضيفة، إلى تراجع فجوة الناتج في الدولة المتلقية بنسبة 1 في المائة تقريبا، وتمثل تحويلات العاملين في الخارج نسبة أعلى بكثير من 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عديد من الدول، وفي مقدمتها طاجيكستان وبرمودا، حيث تتجاوز نسبة التحويلات 30 في المائة... يتبع.
