واشنطن - بكين .. الثقة المفقودة

|
"الولايات المتحدة قدمت مساعدات مهمة للصين، لم يتم الالتفات إليها"
دونالد ترمب، رئيس الولايات المتحدة

عندما توصلت الولايات المتحدة والصين إلى اتفاق تجاري مرحلي مطلع العام الجاري، كانت الآمال كبيرة على أن يكون مقدمة لاتفاق ينهي حربا تجارية أثرت حتى في بقية دول العالم، بصورة أو بأخرى. غير أن المؤشرات لم تكن تدل على إمكانية وصول هذا الاتفاق إلى مرحلته النهائية، ولا سيما استمرار تقاذف الطرفين بالاتهامات والشكوك، فضلا عن عدم بناء مستوى معقول للثقة بينهما. وبعد تفشي وباء كورونا المستجد، وإطلاقه أزمة اقتصادية عالمية بأشكال مختلفة، صارت المواجهات الكلامية بين واشنطن وبكين أقوى، بل خارجة حتى عن المعايير الدبلوماسية المعهودة، خصوصا بعد أن اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الصين، بأنها تسترت على تفشي "كورونا" لمدة كانت كافية لمواجهته بصورة أفضل على الساحة العالمية. وهذا ما يفسر بالطبع ما أعلنه ترمب، بأنه "لا يفكر في إبرام المرحلة الثانية من اتفاق التجارة مع الصين حاليا". فالوضع الراهن في العلاقات السياسية ليس نموذجيا. رغم أنه لم يكن كذلك يوما منذ وصول ترمب إلى الحكم في بلاده، بعد أن رفع شعاره الشهير "أمريكا أولا". لكن المسألة لا تقف عند هذا الحد. فالصين رفعت هي الأخرى الشعار نفسه بصورة معكوسة "الصين أولا". وأيا كانت طبيعة هذه الشعارات، فالعلاقات بين الدولتين تحتاج أولا وأخيرا إلى الحد الأدنى من الثقة. فالولايات المتحدة ترى أنها "مظلومة" تجاريا ليس من الصين، بل من أغلبية الدول، بما فيها الاتحاد الأوروبي الحليف التقليدي لواشنطن، الأمر الذي أنتج معارك تجارية بين الحلفاء لم تنته، ولا يبدو أنها ستنتهي في الزمن المتبقي من ولاية الرئيس الأمريكي.
لا شك أن الحكومة الصينية استغلت "وساطتها" التي فشلت لاحقا بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، حول المفاوضات بشأن القوة النووية لهذه الأخيرة. وكان ترمب يبني آمالا لا تحصى على هذا الاتفاق الذي لم يحدث، لإضافته إلى إرثه السياسي بعد خروجه من الحكم، ولدعم قوته السياسية المحلية وهو داخل البيت الأبيض. "الوساطة" الصينية امتصت بعض الخلافات التجارية مع واشنطن، الأمر الذي أدى في النهاية إلى إبرام اتفاق المرحلة الأولى بين أكبر اقتصادين في العالم. لكن مرة أخرى، لم تبن الوساطة ولا الاتفاق التجاري الأولي أي جسور للثقة بينهما، ما أفسح المجال أمام الانتكاسات السهلة. ومع حلول "كورونا" بشكل لم يتوقع أحد في العالم، بات البعض يتحدث عن عودة الحرب التجارية بزخم كبير في المرحلة اللاحقة، ولا سيما مع تحرك ترمب النشط لإصلاح منظمة التجارة العالمية نفسها، بحجته المعروفة، بأن القوانين التي تستند إليها "تظلم" أمريكا تجاريا.
على كل حال يعترف الرئيس الأمريكي بوجود شراكة بين بلاده والصين، وإن قال عنها "متضررة بشدة". لكن في الواقع لا يمكن أن ترقى العلاقات التجارية بين الدولتين إلى هذا التوصيف. فالشراكات تحتاج إلى قواعد تقوم على الثقة، وهذه الأخيرة (كما هو واضح) غائبة على الأقل في الوقت الراهن. لكن لا بد من الاعتراف، بأن الاتفاق التجاري الأولي، وفر أرضية (ليست صلبة) للمضي قدما. فقد وافقت واشنطن بموجبه، على إلغاء بعض التعريفات الجديدة، وخفض الرسوم الأخرى. كما قبلت الصين بشراء مزيد من المنتجات الزراعية الأمريكية، فضلا عن قبولها إجراء إصلاحات في سياساتها بشأن الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا. دون أن ننسى، أن الحرب بين هذين القطبين رفعت من قلق المستثمرين، الذين يعرفون مسبقا تأثيرها السلبي في النمو الاقتصادي بشكل عام.
المسألة الآن باتت محصورة في كيفية عودة المحادثات بين الجانبين في المرحلة المقبلة. صحيح أن الطرفين يلتزمان حاليا ببنود الاتفاق التجاري الأولي، لكن الصحيح أن العلاقات الهشة يمكن أن تضرب هذا الاتفاق بسرعة البرق، خصوصا مع تمسك الرئيس الأمريكي بمسؤولية الصين في تفشي "كورونا". حتى إن بعض المسؤولين في إدارته "غمزوا" من جهة بالبحث عن آلية لفرض عقوبات قاسية على الصين لهذا السبب. اللافت أن الطرفين أعلنا "توفير الظروف الملائمة" لتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري، حتى بعد مشاحنات "كورونا" بينهما. والعالم يأمل أن تمضي الأمور هكذا، ولا سيما في ظل عدم اليقين الاقتصادي الحاضر على الساحة الدولية، بفعل ذلك الوباء الكارثي. لكن لا شيء مضمون في هذا الميدان على الأقل حاليا.
لا أمل مرحلي الآن في بدء مفاوضات تجارية لاستكمال الاتفاق بين الصين والولايات المتحدة. كل الآمال تكمن في محاصرة اشتعال الحرب التجارية بين هاتين الدولتين، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي أعمق ركود منذ أكثر من 80 عاما، إضافة إلى توجهات الحمائية التي ظهرت فور تفشي "كورونا" في أغلبية الدول. ناهيك عن ضرورة التعاون الدولي من أجل إنقاذ قطاعات اقتصادية بأكملها في ظل هذه الأزمة. غير أن الإصرار الأمريكي على تحميل الصين مسؤولية "الوباء" لن يتراجع، على الأقل في الفترة المتبقية من العام الحالي، التي ستشهد انتخابات رئاسية أمريكية سيكون "كورونا" عاملا مؤثرا فيها.
إنشرها