الاقتصاد الوطني بعد كورونا

|
الأحداث الكونية الكبيرة قادرة على تغير المسارات الاقتصادية، التغير يأتي أفقيا ورأسيا في إدارة الموارد، ولكن أيضا وربما أهم في المدى البعيد في طرح السياسات الاقتصادية - نماذج العمل المقبولة كدور الحكومة مقابل القطاع الخاص، ومستوى ونوعية الاستثمارات التي يقودها القطاع العام والتمركز الجيواقتصادي. هناك إعادة ترتيب رأسي أيضا على أكثر من مستوى، هناك هزة في سلاسل الإمداد، خاصة أنها تواكب الصراع الاقتصادي والخلاف التجاري بين الصين وأمريكا كأهم لاعبين ولكنها لا تتوقف عندهما، وهناك جدل واسع حول الضرائب على التجارة الإلكترونية، خاصة أن دورها ازداد أهمية مع أزمة كورونا. كذلك رأسيا تطورت الرغبة عند كثير من الدول في الاستقلال الاقتصادي، خاصة النواحي الصحية والغذائية، وأفقيا في انخفاض النمو وضربات قاسية في بعض القطاعات مثل السفر والسياحة. ولكن أغلبية هذه التغيرات وقتية وانفعال وتفاعل مع أزمة كورونا، ربما التغيرات الأهم هي في ميدان العلاقات والسياسات الاقتصادية. فبعد تدخل الحكومات من خلال السياسات النقدية والمالية لم يعد أحد يرى في تدخل الحكومات في اقتصاد السوق أي توجس أو حذر، ولكن هذا يفترض أن الأجهزة الحكومية على مستوى عال من الفاعلية، خاصة في الاستثمارات العامة ولكن حتى في النواحي التوزيعية، كذلك الكثير بدأ يتهيأ لحالة جديدة تكون فيها التجارة العالمية أقل. التأثير وظروف التكيف تختلف حسب نقطة البداية لكل دولة. لن تستطيع أغلبية الدول تحقيق مستوى متوسط من الاستقلال الاقتصادي، وحفظ مستوى مقبول من الحياة المعيشية، إذ لا بد من حد أدنى من مستوى التجارة العالمي، الذي حقق انخفاضا ملحوظا.
المملكة في وضع جيد مقارنة بأغلبية الدول. فالمملكة جاهزة لإعادة تحجيم قبل الأزمة، ولذلك جاءت الأزمة فرصة تاريخية لإعادة الترتيب الاقتصادي. فالدين العام معقول عند نحو 25 في المائة من الدخل القومي الإجمالي في ظل أسعار فائدة مناسبة، إذ غالبا تكون تكلفة الدين أهم من حجمه، لأن الحكومة ملزمة في الأساس بخدمة الدين دون تأثيرات سلبية، وهناك "رصيد" من العرض في المحال التجارية والعمالة الوافدة قابل للتقليص دون ضرر. حتى تآكل المنظومة التجارية العالمية قد يكون عاملا يسمح بالتفرد بعلاقات تجارية اختيارية تخدم الصناعة والخدمات في المملكة، خاصة أن النفط ما زال ورقة قوية في العلاقة مع بعض الدول المؤثرة، ولكن الفرص ستكون حسب المرونة ومعرفة ما نريد بدقة وتكامل. هناك فرص وهناك برامج للتحديث تحت مظلة "رؤية 2030"، وهناك مخاطر في الإدارة الاقتصادية في كل مرحلة، منها التوازن بين الرفاهية والاستثمار وأحيانا محاولة عمل كثير على حساب الجودة والدقة، خاصة في قطاع العمران. الدعوة للتحجيم تأتي في الأساس لأن الجودة أهم من الكمية.
تشهد المملكة تحولا معتبرا على الرغم من مفاجأة الانخفاض الحاد في أسعار النفط وربما بسببه، فكما ذكرت مريانا مزوكاتو في مقال حديث "مؤلفة كتاب الدولة الريادية"، أن على الحكومات أخذ زمام المبادرة في الاستثمارات وقيادة القطاع الخاص، ليكون مساهما حقيقيا تكامليا وليس راكبا مجانيا يستغل المصروفات العامة. أخذت المملكة خطوات مهمة في الاتجاه الصحيح مثل ترشيد الدعم وتحويل الأموال من الاستهلاك إلى الاستثمار كما حدث مع رفع ضريبة القيمة المضافة، والاهتمام بالعلاقة مع كبرى الشركات العالمية مثلما حدث أخيرا في اتفاقية مشروع نيوم و"أكوا باور" مع شركة APD بتكلفة خمسة مليارات دولار في شمال غرب المملكة، لتأسيس مشروع إنتاج الأمونيا يعمل بالطاقة المتجددة. أزمة كورونا أيضا تسهم في الاهتمام بصناعة المعدات والأجهزة الطبية والأدوية. كذلك جاء الحد من السفر كمصدر غير متوقع للادخار في المجتمع "القطاع العام والأفراد". قطعنا مشوارا وبقي الكثير، خاصة في إعادة هيكلة تنافسية القطاع التجاري والبشري. هذه نواح وقطاعات مهمة تحتاج إلى إعادة تفكير وتأهيل، فليس سرا أن أعداد المحال التجارية أسهمت في تشويه الحالة التجارية والمدنية والعمرانية والبشرية. هناك بعد اجتماعي مهم، فالمهارة العربية في التجارة تحتاج إلى إعادة تحوير، لأن أساليب وطرق التجارة تغيرت ولن تكفي التجارة لتحديث الاقتصاد الوطني، خاصة أن التجارة أصبحت مدخلا أساسيا للتستر، وخاصة الدرجة الثانية من التستر - وكيل ومالك سعودي وأغلبية البقية وافدون. لا بد من تحمل تبعات "تعلم" المواطن، فما تساهلنا فيه مجتمعيا رجع لنا بتكلفة أعلى.
إنشرها