الصبر وعلاقته بالتعليم والاقتصاد

|
الصبر في اللغة العربية نقيض الجزع. وعلى هذا فالصبر حبس النفس على المثابرة بدل الجزع. وفي الشرع حبس النفس عن المحرم، وعن التسخط، وعلى الطاعات ومحاسن الأخلاق. ودرءا لاحتمال سوء الفهم، الصبر يستلزم النشاط وليس الكسل، إذا لا معنى لمنع الكسول نفسه من الجزع.
وردت نصوص شرعية كثيرة في أهمية وفائدة الصبر. أذكر منها قوله سبحانه: (وَبَشّرِ الصّابِرينَ * الّذِينَ إذا أصَابَتَهُم مُصِيَبَةٌ قَالُوا إنّا للهِ وَإنّا إلَيهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتُ مِن رّبِهِم وَرَحمَةٌ وَأولئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ). وختم الله سورة العصر بكلمة الصبر. "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".
وقال الإمام الشافعي شعرا: (دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ ... وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ).
انضم علم الاقتصاد وعلماؤه إلى قائمة عديد من العلوم وأهلها المهتمين بدراسة الصبر وأثره. ظهر عديد من الدراسات. ولضيق المقام اخترت ثلاث دراسات، الأولى صدرت قبل ستة أعوام: Behavioral Economics of Education: Progress and Possibilities علم اقتصاد السلوك التعليمي: أداء واحتمالات. والثانية قبل أربعة أعوام Patience and the Wealth of Nations الصبر وثروة الأمم. والثالثة جديدة، صدرت في هذا الشهر قبل أيام قليلة، والناشر المكتب أو الديوان الوطني للبحث الاقتصادي NATIONAL BUREAU OF ECONOMIC RESEARCH والمعروف اختصارا بـNBER وعنوان الدراسة: CULTURE AND STUDENT ACHIEVEMENT: THE INTERTWINED ROLES OF PATIENCE AND RISK-TAKING الحضارة وأداء الطالب: دور الصبر وأخذ المخاطر وعلاقتهما.
تبين الدراسات الرصينة أن الفروقات بين الدول في تحصيل الطلبة تنال نصيبا كبيرا من النقاشات حول سياسات التعليم. وبين المناقشات العقلية والتطبيقية وجود فهم جزئي لماذا أداء الطلبة في دول أفضل من أداء الطلبة في دول أخرى. لكن هذا الفهم الجزئي لا يغني ولا يكفي عن الفهم القوي المفقود. والكلام على المتوسط العام، وليس عن طالب أو مجموعة طلاب بعينهم، أقول هذا رغبة في ألا يساء الفهم، وما أكثر ما يساء فهم الكلام.
نوقشت الخلافات في الثقافات بين المجتمعات. وبين البحث الأكثر عمقا أن الصبر وتحمل المخاطر عاملان مؤثران في الأداء، وهما عاملان يساعدان على فهم بعض أوجه الخلافات في أداء الطلاب بين المجتمعات والدول.
أخذت بيانات عن أداء طلاب متعددي الجنسيات من خلال برنامج PISA الذي طورته منظمة التعاون الاقتصادي الدولية OECD لتقييم مستويات طلاب أعمارهم 15 عاما تقريبا. ودمجت مع البرنامج بيانات أحدث توافرا عن خصائص ثقافية أو حضارية من مسح تفضيل عالمي. المقارنات التحليلية بينت أن الصبر عامل إيجابي قوي في تحصيل الطلاب، بينما تحمل المخاطر ليس بذلك العامل الإيجابي.
النتائج سبق تأكيدها من خلال استراتيجية تقوم على مقارنة طلاب مهاجرين من دول عديدة مختلفة في نمطها وسلوكها وخلفياتها الحضارية.
حتى تكون الدراسات أكثر موضوعية، جرت محاولة إبعاد أي عامل مؤثر محتمل من تلك الدولة التي هاجروا إليها.
بينت الدراسات أن احتمال تأثير الخلفية الحضارية احتمال قوي على مستوى التحصيل التعليمي. عملت لهذا الغرض دالة إنتاج تعليمية education production function. تبين بوجه خاص تأثير المدخلات العائلية. ولدينا نصوص تاريخية تبين تأثير تربية الوالدين في سلوك الطفل عندما يكبر.
من أهداف تلك الدراسات معرفة وفهم العلاقة بين الثقافات والأداء الطلابي في مختلف الدول. طبعا من الصعب الوصول إلى فصل تام لفهم تأثير الخلفية الثقافية، بسبب وجود عوامل مؤثرة أثرت في الطلاب خلال إقامتهم في الدول التي هاجروا إليها لطلب العلم.
وتقوم نظريات الاختيار الحركي dynamic choice theories على أن الصبر عامل محرك أساس خلف تراكم عوامل التنمية الاقتصادية. وقامت الدراسة التي سبق ذكرها "الثانية" ذات العنوان "الصبر وثروة الأمم" باستخدام بيانات تفضيل زمني لنحو 80 ألف شخص من 76 دولة، ووجدت علاقة مهمة بين الصبر والتنمية سواء للدخل الحالي أو النمو على المديين المتوسط والبعيد. كان لمستوى الصبر دور في تفسير وجود اختلافات كبيرة بين الدول في التنمية.
قصة بداية أغنى رجل في العالم مؤسس "أمازون" تعطي دلالة على أهمية الصبر. لم تبدأ "أمازون" بتحقيق أرباح إلا بعد نحو سبعة أعوام من تأسيسها. خلال هذه الفترة تضجر كثير من المساهمين في شركة أمازون وبعضهم خرج من الشركة.
كيف يظهر أثر الصبر؟
ارتباط الصبر قوي بخطوات تكون رأس المال البشري والمادي والاستثمار والإنتاجية والأداء المؤسسي. العلاقة ليست فقط بين الدول، بل وجدت حتى داخل الدولة الواحدة. ولذا لا نستعجب ظهور عبارات إطراء ومدح لأبناء بعض الأقاليم والمناطق في اشتهارهم ببعض الخصال والصفات. ولا شك أن لاكتسابهم عادات ومنها الصبر من خلال التربية في الصغر أثرا في وجود ما اشتهروا به.
كيف نرفع مستوى الصبر في مجتمعنا؟ قضية للنقاش.
إنشرها