استنفد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أوراقه محليا وإقليميا ودوليا، كما استنزف رجالاته ممن أوصلوه إلى السلطة في حزب العدالة والتنمية وأقصاهم، لتحقيق مطامعه السياسية، التي سرعان ما تكشفت أهدافها لتوريث السلطة لعائلته خصوصا أصهاره من بعده، حيث حول البلاد إلى ثكنة إخوانية، تسببت في تدمير دول عربية لاحقا، تحت شعار "الربيع العربي"، إضافة إلى تأذي الدولة التركية نفسها من سياسة الإثارة والتشويق، بعد فبركة ما يسمى بالانقلاب الفاشل في 2016، الذي تمكن خلاله من تصفية جميع خصومه السياسيين. ولعل الإسلاموية الشعبوية، التي يعزف على أوتارها أخيرا، هي إحدى آخر الأوراق في يده، بعد استغلاله حادثة سفينة مرمرة التركية في قافلة شريان الحياة المتجهة إلى مدينة غزة الفلسطينية عام 2010، التي كانت سببا في توسيع قاعدته عربيا، بعد أن قدمته قناة الجزيرة القطرية على أنه الفاتح الإسلامي الجديد، لكن سرعان ما تبين زيف الادعاء.
واستكمل الرئيس التركي أردوغان مشروعه الإسلاموي الشعبوي بتنفيذ أجندته، التي أطلقها حينما كان رئيسا لبلدية إسطنبول قبل نحو 26 عاما، بتحويل متحف "آيا صوفيا" إلى مسجد، الذي كان كنيسة فيما قبل، متجاهلا التسامح الإسلامي والديني، معززا بذلك من الإسلامو فوبيا الغربية تجاه المهاجرين المسلمين والعرب في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، مقدما بذلك نموذجا أنانيا مسيئا لسماحة الدين الإسلامي، ومتخليا عن نهج السلف الصالح، تحديدا الصحابي الجليل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما فتح بيت المقدس وحررها من الصليبين، فلم يحول الكنائس إلى جوامع وحافظ على تركيبة النسيج الاجتماعي والديني هناك، إذ سار على نهجه القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، الذي لم يتطاول على المقدسات الدينية ليس في بيت المقدس فحسب، بل على طول حكم دولة المماليك، هذه النماذج الكبيرة في التسامح والتعايش لا تعني للإخوان المسلمين شيئا، فهم لا يريدون سوى تحقيق أطماعهم بصرف النظر عن أي مخاطر وتبعات قد تضر بالإسلام والمسلمين.
وغرد الرئيس التركي أردوغان قائلا "إن إحياء "آيا صوفيا" من جديد بشارة نحو عودة المسجد الأقصى"، مقللا من قيمة المسجد الأقصى وقدسيته ومكانته وأهميته بين المسلمين بتشبيهه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بـ"آيا صوفيا" سواء كان كنيسة أو متحفا أو مسجدا، لكن تشبيهه ليس في محله، كما أن "آيا صوفيا" لا يقبع تحت احتلال، فما الجهة التي يدعي تحريره منها الرئيس التركي! فعلى الرغم من جهود السعودية والإمارات في نشر التسامح والتعايش بين أتباع الديانات، خصوصا بعد زيارة بابا الفاتيكان أبو ظبي وتوقيع وثيقة حوار الأديان مع الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، يواصل الرئيس التركي حربا لا أخلاقية غير متكافئة على قومية الأكراد، شركاء العرب في الأرض والدين وتحديد المصير، حيث تمكن الجناح الإعلامي للإخوان من شيطنة الأكراد، وإنكار حقهم الكبير في تركيا، كما تعاون الأتراك مع إيران لتصفية القضية الكردية.
وأشار الرئيس التركي أردوغان إلى أن "آيا صوفيا" شأن تركي داخلي، قائلا "حق التصرف في "آيا صوفيا" أمر متعلق بسيادة تركيا، ونتقبل جميع وجهات النظر الدولية حول هذه المسألة"، إذ لا ينفك عن إثارة الجدل بقراراته وتناقضاته وخطاباته الإعلامية، فمنذ وصوله إلى السلطة يسعى جاهدا إلى تسييس الدين، وكثيرا ما يصرح الرئيس أردوغان بمعلومات دينية وتاريخية مغلوطة، ففي وقت سابق قال "إن الأتراك شاركوا في غزوات بدر وأحد وحنين والخندق"، ردا على كمال كليتشدار أوغلو زعيم المعارضة التركية، بعد انتقاده مقتل جنود أتراك في سورية، وفي أيار الماضي رفض كثير من الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي تصريحاته المثيرة للجدل حول سورة "الفتح"، حيث زعم أنها نزلت في فتح إسطنبول لا مكة المكرمة، وسط صمت جماعة الإخوان على ما قاله، كما تتجاهل قناة الجزيرة القطرية نشر مثل هذه الأخبار.
وتقف الدولة التركية مواقف صعبة جراء القرار، الذي اتخذ، إذ إنها قفزت على مفهوم الدولة الوطنية الحديثة التي بناها أتاتورك، وعادت إلى الدولة العثمانية التي تستهين بالقيم والحقوق المعترف بها دوليا، كما مهد الرئيس أردوغان لدق المسمار الأخير في نعش القضاء التركي، المعروف بفقدان نزاهته بعد قرار إسقاط حكم السجن بحق القس الأمريكي أندرو برونسون، الذي كان ينتظر حكما مدته قد تصل إلى 35 عاما، حال إدانته بتهم الارتباط بحزب العمال الكردستاني، إذ أفرج عنه بعد الضغط الأمريكي على الاقتصاد التركي والتسبب في انهيار الليرة، والخضوع لمطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي هدد حينها بتدمير الاقتصاد التركي. وكمؤشرات أولية لبداية أزمة جديدة، وصف لوان ساوكا الأمين العام الانتقالي لمجلس الكنائس العالمي، ذلك القرار بأنه "دليل على الانقسام والتفرد في اتخاذ القرار، وهو ما يقوض الجهود المبذولة لتقريب أتباع الأديان المختلفة من بعضهم بعضا"، كما استنكرت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الخطوة التركية الأخيرة بتحويل المتحف إلى مسجد، ووصفتها بأنها "عودة إلى العصور الوسطى"، إذ تعد فكرة تحويل "آيا صوفيا" إلى مسجد مطلبا لجمعية دينية سلفية متطرفة في إسطنبول، اسمها جمعية شباب الأناضول الإسلامية، التي نادت منذ صيف عام 2014 بتحويل الكنيسة إلى جامع، بإعلان رسمي من الدولة، الرئيس أردوغان تبنى حينها موقف الجمعية ضمنيا، التي قامت بحملة شرسة تحت شعار "أحضر سجادتك وتعال"، إضافة إلى جمعها 15 مليون توقيع لترسيخ مطلبها، الذي لا تجد له معنى في مدينة ممتلئة بالمساجد، في كل حارة وكل حي.

