وزارات ذكية تسابق الزمن

|
يبدو أن الإمارات الشقيقة تحاول أن تسابق الزمن بخطى سريعة، ولذلك أصدرت أخيرا مجموعة قرارات مهمة وهادفة إلى رقمنة الحكومة، بغية الاستمرار في تحقيق مزيد من المكاسب على طريق بناء الحكومة الذكية الرقمية.
ومنذ وقت قريب عينت حكومة الإمارات هدى الهاشمي رئيسا للاستراتيجية والابتكار الحكومي وحل القضايا المطروحة بأساليب غير تقليدية، كذلك عينت حمد المنصوري رئيسا للحكومة الرقمية، وقبل ذلك بأعوام أنشأت الحكومة الإماراتية مجموعة من الوزارات التي تتناسب مع روح ومقتضيات العصر الاصطناعي الذي يجتاح العالم، والذي أثبت أهميته وفعاليته في زمن جائحة كورونا، وما بعد الجائحة، وبالذات عبر التعليم عن بعد أو عقد الاجتماعات واتخاذ القرارات عبر الفيديو كونفرانس، وكذلك إدارة شؤون الدولة عبر مجموعة هائلة من التطبيقات. ومن الوزارات التي تعبر عن روح العصر الرقمي أنشأت الحكومة الإماراتية الشقيقة وزارة الدولة للتكنولوجيا المتقدمة، وهذه الوزارة ستعطي باع التقدم للسباق المنتظر (في الدولة) بين الإنسان الآلي والإنسان البشري، وهو السباق الذي ينتظر أن يفصل بين عقلين في حضارة تراهن على العقل الآلي أكثر من العقل البشري.
أكثر من هذا فقد سبق أن توجت الحكومة الإماراتية مشاريعها التطويرية بإنشاء وزارة الدولة للتسامح والتعايش، ووزارة الدولة للسعادة وجودة الحياة.
وليس هذا فحسب، بل حتى الوزارات التقليدية، خلعت عليها صفات العصرنة والتحديث، فوزارة الثقافة لم تعد للثقافة فحسب، بل أصبحت وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، وكذلك فإن وزارة الصحة لم تعد للصحة فقط، بل أصبحت للصحة ووقاية المجتمع، أيضا لم تعد وزارة البيئة للبيئة فحسب، بل أصبحت وزارة التغير المناخي والبيئة، ثم توجت حكومة الإمارات الشقيقة مشاريعها التطويرية بإنشاء وزارة البنية التحتية لما لمشاريع البنية التحتية من أهمية في مسيرة بناء الدولة الإماراتية الذكية.
الملاحظ في برامج التنمية للدولة الشقيقة الإمارات، أنها تتطور في جميع المجالات وليس فقط في المجالات المادية كالطرق وبناء المستشفيات والجامعات والمساكن، فهي تتطور في مجالات القوى الناعمة، الترفيه والثقافة والرياضة والخدمات العامة.
واعتمدت الدولة برنامجا وطنيا لتحقيق السعادة والتسامح والإيجابية، وأقرت الحكومة الإماراتية وضع مصطلح (السعادة) في مجالات رئيسة ضمن سياسات وبرامج وخدمات جميع المؤسسات الحكومية لتحقيق سعادة المجتمع، واضطلعت الوزارة ببناء بيئة العمل، بهدف تحقيق السعادة لشعب الإمارات وترسيخ قيم الإيجابية والتسامح. وفي هذا الإطار تؤكد الحكومة الإماراتية، أن وظيفة الحكومة هي تهيئة البيئة المناسبة لسعادة الإنسان الإماراتي عن طريق ترسيخ الإيجابية كقيمة أساسية في المجتمع.
وفي تصريحاته المتعلقة بمشروع (جودة الحياة) قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: "إن جميع الوزارات ينبغي أن تكون وزارات تسعد الناس بسياساتها وبرامجها وخدماتها، إضافة إلى ذلك تعمل على تنسيق السياسات مع القطاع الخاص لتحقيق أهداف جودة الحياة وتوصيل السعادة لعامة الناس". وقد صممت الإمارات برنامجا وطنيا للسعادة والإيجابية، وهي مواءمة بين خطط الدولة وبرامجها وسياساتها وتشريعاتها لتحقيق السعادة الإيجابية في المجتمع، والعمل على تحفيز الجهات الحكومية والخاصة، لإطلاق وتبني المبادرات والمشاريع والسياسات لتحقيق السعادة والإيجابية في المجتمع، بل أكدت ضرورة اضطلاع المؤسسات الحكومية والخاصة باقتراح السياسات والمشاريع والبرامج الاستراتيجية العامة الهادفة لتحقيق السعادة والإيجابية.
إن العلماء المهتمين بقضايا جودة الحياة يرون أن تحليل نتائج الدراسات في مجال جودة الحياة يفضي بتأكيد أن جودة الحياة تتحقق وفقا لميكانيزمات شخصية، وبالتالي يتعين على الباحثين التركيز على الجوانب الذاتية لجودة الحياة مثل تصورات وإدراكات الفرد لعالم الرفاهية الذي يتفاعل فيه، ويقارن ذلك مع مستوى طموحاته ومدى مساهمته الشخصية في هذا البناء، ويؤكد هذا المعنى كل من تايلور وبوجدان إذ يقولان، إن جودة الحياة توجد في الجانب الذاتي للإنسان، إذ لا يكون لهذا المفهوم وجود أو معنى إلا من خلال إدراكات الفرد ومشاعره وتقييماته الشخصية، أي أن وجود المعايير والقيم الخارجية لا يكون له معنى إلا في سياق ما يمثله من أهمية وقيمة بالنسبة للفرد نفسه، بمعنى أن المؤشرات الخارجية لجودة الحياة لا قيمة ولا أهمية لها في ذاتها، بل تكتسب أهميتها من خلال إدراك الفرد وإحساسه بها.
إن مشروع جودة الحياة لا يمكن فصله عن مشاريع كثيرة هي في صميم برامج التنمية المستدامة لكل الدول التي تستهدف رفع مستوى معيشة الأفراد وتحقيق الرفاهية للمجتمع، بل أستطيع القول، إن المشروع هو مشروع تربوي اقتصادي يدعو الناس إلى التسامح والعمل الدؤوب الجاد لزيادة الإنتاجية، وبذلك تتحقق السعادة والرضا عندهم، والشيء ذاته إذا استعرضنا مجموعة العلوم الإنسانية، نلاحظ أن قضية سعادة الإنسان موجودة في صلب اهتمام هذه العناوين العلمية المهمة.
ونذكر ــ على سبيل المثال ــ أن مشاريع بناء المدارس والجامعات والمستشفيات والطرق والأندية والمدن الرياضية وتوفير المياه والكهرباء في الدول المتقدمة والناشئة والنامية وبناء مؤسسات القوى الناعمة هدفها جودة الحياة وتحقيق السعادة للمجتمع.
ولذلك إذا كانت الإمارات قد أضافت جديدا إلى جودة الحياة، فهو اختيار جودة الحياة كعنوان من العناوين الرئيسة للحكومة، أي أن ما يميز المشروع الإماراتي أنه جعل جودة الحياة هدفا محوريا في جميع برامج الحكومة.
إنشرها