هل يغير إسقاط المجسمات ما بقوم؟

|
صار إسقاط أو رفع أو تشويه المجسمات في الغرب من المسائل الشائكة والمربكة. حتى الآن، أفرزت الحملة ضد المجسمات فصيلين متناقضين في الفكر والتوجه والسياسة.
لقد صب كثير من الناس جام غضبهم على المجسمات والنصب في أعقاب خنق الشرطة الأمريكية المواطن جورج فلويد ذي البشرة السوداء، وذلك بالدوس على رقبته بقوة لما يربو على ثماني دقائق، رغم صراخه واستعطافه أنه لم يعد في إمكانه التنفس.
ولم تقتصر الحملة لإسقاط المجسمات ورفع التسميات والرموز لشخصيات تاريخية، تلطخت يداها في استعمار واضطهاد واستعباد الشعوب لاختلاف العنصر أو اللون على الولايات المتحدة، حيث العنصرية تطل برأسها في أشكال ومضامير شتى.
ووصل لهيب المعركة ضد رموز جسدت الاستعمار والعنصرية في أقبح صورهما في العصر الحديث إلى أوروبا الغربية، حيث انهمرت معاول المتظاهرين على رؤوس المجسمات من ملوك وقادة ومفكرين، كانوا حتى وقت قصير بمنزلة أيقونات تلهم الحاضر وتقدس الماضي.
والمجسم، كما قلنا في رسائل الأسابيع القليلة الماضية، ما هو إلا خطاب. وكل خطاب - ابتداء بأصغر وحدة من أقسام الكلام وهو المفردة (الكلمة) - يكتسب مدلولاته وتأثيره الاجتماعي والثقافي فيما نسبغه عليه من معان.
ولم تقتصر الحملة والتظاهرات التي أعقبت مقتل فلويد على المجسمات. لقد رافقتها حملة ضد خطاب الكراهية، أي ضد أي كلمة غاية نطقنا أو كتابتنا لها الانتقاص من الآخر لاختلاف العنصر أو العرق أو اللون أو الميل.
بيد أن السؤال الأهم الذي في الغالب نتجنب إثارته ونتهرب من الإجابة عنه يدور حول، إن كان بمقدور أي حملة لإسقاط المجسمات أو خطاب الكراهية تغيير ما بالقوم الذين تربوا عليها.
والسؤال الفرعي لهذا السؤال الرئيس يدور حول، إن كان إسقاط المجسمات ورفع خطاب الكراهية يسهمان في نشأة مجتمع عادل يتساوى فيه الكل بغض الطرف عن اللون والجنس والميل والثقافة والعرق.
لقد خاض البشر حروبا ومعارك غايتها إسقاط المجسمات. بعض هذه المعارك قادها أنبياء رأى فيهم قومهم رسلا لا تنطق عن هواها، بل عن ما يأتيها من السماء.
وعانى النبي موسى كثيرا من بني قومه وإصرارهم على إقامة مجسم للعجل بعد أن كان قد تصور أنه أفلح ليس في هدمه، بل إسقاط أهميته الخارقة في عيونهم.
وأزال المسلمون بعد فتح مكة المجسمات والصور التي كانت معلقة على الكعبة. وبصورة عامة لا مساومة للإسلام كدين في رفضه القاطع للنصب والأصنام والمنحوتات.
ودخل المسيحيون في القرون الوسطى حربا ضروسا دارت رحاها بين من كانوا في حينه ينبذون الأيقونات (المنحوتات والصور)، وبين من كانوا يرون فيها بعدا سماويا. وكانت الغلبة للطرف الثاني.
هناك مقاربة لما يحدث للمجسمات والمواقف المتباينة منها اليوم مع ما كان للناس من مواقف متعاكسة حول مكانتها في قديم الزمان.
في بعض الدول والمجتمعات، يرى الناس المجسم كأنه متقمص للشخصية التي يمثلها. ويذهب آخرون بعيدا إلى درجة وضع باقات من الزهور، إكراما له أو تخصيص مفرزة من الشرطة أو الأمن لحمايته.
في أمريكا، يبرز "فيسبوك" اليوم كحام للكلمة أو المجسم الذي يرى كثير من الناس أنه يقع في خانة خطاب الكراهية. وفشلت حتى الآن حملات الشركات العملاقة مثل، "أديداس" و"مايكروسوفت" وغيرها بالتوقف عن الإعلان في "فيسبوك" ما لم يرفع أي خطاب مثير للكراهية عن منصته.
وفي أمريكا، قررت إدارة البيت الأبيض تشييد حديقة عامة بهية تزينها المجسمات، ومنها التي أسقطها المحتجون أخيرا، في تحد واضح لكارهيها وتلبية لرغبة محبيها في محاولة لكسب القلوب والعقول.
وما يثير بعض السخرية لشدة المفارقة إسقاط مجسم للرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003.
وكم كان المنظر مؤثرا ومدهشا عند مشاهدة المحتجين في أمريكا أو بريطانيا أو دول غربية أخرى، وهم يعيدون تمثيل إسقاط جنود الغزو الأمريكي للعراق لمجسم لصدام حسين في ساحة الفردوس في وسط بغداد، في محاولتهم هدم وإسقاط مجسمات في دولهم.
إسقاط مجسم صدام حسين في العراق لم يغير في القوم، الذين أسقطوه ولا في القوم الذين وقفوا في الساحة أو تسمروا أمام شاشات التلفزيون وهم مشدوهون للحدث.
إسقاط المجسم الذي يمثل فكرا أو شخصية عنصرية أو قمعية، ورفع الكلمة التي تبث الكراهية شارة تدل على التغيير، ولكن ليس بالضرورة تغيير "ما بقوم"، لأن ذلك لن يحدث "حتى يغيروا ما بأنفسهم". ونحن البشر من العسر بمكان أن نغير ما بأنفسنا.
إنشرها