المصارف .. العدد أم الحصص؟

|

عدا بعض فترات الثمانينيات من القرن الماضي، تمتع القطاع المصرفي بربحية جيدة وبيئة تنظيمية متعاونة من قبل مؤسسة النقد، وتغيير محدود في اللاعبين الرئيسين وفي تركيبة الحصص السوقية، أصبحت الصناعة المصرفية مساهما في التنمية ومحطة جيدة لتوظيف السعوديين برواتب مجزية وفرص طيبة للتقدم، وكأهم قطاع خدمي نشط في القطاع الخاص. ربما بسبب هذه الظروف التي أهمها الربحية المريحة ومنها خروج بعض البنوك الأجنبية مثل سيتي بنك تدريجيا فقد القطاع بعض حيويته وكفاءته على الرغم من الترخيص لكثير من المصارف الأجنبية. لذلك جاء خبر اندماج (استحواذ) البنك الأهلي التجاري مع «سامبا» أهم تغير في تركيبة السوق المصرفية باندماج أكبر المصارف مع الرابع من حيث حجم محفظة القروض والأصول لتكوين عملاق مصرفي في المنطقة. أعتقد أن هناك حاجة إلى مراجعة حالة القطاع لبث التنافسية والإبداع والتنوع والتخصص والكفاءة المهنية أحيانا. تنافسية القطاع مهمة لكفاءته من حيث الخدمات وفاعلية المصارف من حيث معايير الأداء وكفاءة رأس المال ولكن أيضا من حيث خدمة الاقتصاد الحقيقي (تمويل الاستثمارات الرأسمالية). تحدي الرقيب (مؤسسة النقد) يأتي في تطوير آلية رقابية متطورة لمتابعة هذه الأبعاد من ناحية، وعلاقة ذلك بعدد المصارف وحصصها من ناحية أخرى. المطلوب ليس قليلا أو سهلا في ظل ظروف متغيرة (سوق مفتوحة عالميا وتقنية متجددة) وخلفية رقابية أحيانا مترددة، ونزعة في الحوكمة للمألوف (إدارات مصرفية تستمر أطول من اللازم وهناك أمثلة ليست قليلة).
من المبكر تقدير تأثير هذا الدمج أو الاستحواذ في تنافسية القطاع وسيأخذ وقتا طويلا لمعرفة التأثير في القطاع أو في البنك الأهلي، خاصة أن أحد الأسباب الاقتصادية للدمج عادة يكون في تقليص التكاليف التي أهمها أعداد الموظفين. تحديات الدمج ليست بسيطة منها اختلاف الأنظمة التقنية، خاصة أن المصارف استثمرت مبالغ كبيرة على مدى أعوام حتى وصلت إلى مستوى جيد، كذلك هناك اختلاف في الثقافات الإدارية وتحدي تقليص الموظفين. لكلا المصرفين تاريخ مختلف، لكن ربما ما يجمعهما أن جذورهما بدأت من القطاع الخاص ولكنها انتهت بملكية ودور مؤثر للقطاع العام بطرق مختلفة.
لكل بلد ظروف موضوعية مختلفة وبالتالي ليست أعداد المصارف الأهم وأحيانا ليست حتى الحصص السوقية، فهناك بلدان بمصارف كثيرة وصغيرة وأخرى بأعداد قليلة وكبيرة دون إجماع حول العدد الأمثل، ربما هناك حاجة إلى دراسة مستقلة لتقييم التنافسية والكفاءة التشغيلية في ظل سيناريوهات مختلفة للعدد والحصص. المهم دائما الحفاظ على الملاءة المالية مقارنة بالدول الأكثر تطورا (ليس هناك خوف على القطاع المصرفي الوطني من حيث متطلبات كفاءة رأس المال) والشفافية، خاصة في جودة القروض ودرجة الرقابة وقياس درجة التنافسية والإبداع والقدرة على الاستثمار التقني والبشري والتنوع في قاعدة المطلوبات (الودائع) والأصول (القروض والاستثمارات). كثير من هذه التحديات لم يبدأ مع الدمج ولن ينتهي بعد الدمج. ربما نتعرف على حالة القطاع على أثر نتائج الربع الثاني بما تحمل من آثار الأزمة الجديدة على مدى الأيام المقبلة، قد تكون هناك درجة من انكشاف الاختلاف في الأداء وربما الحاجة إلى مراجعة أداء بعض الإدارات.
على الرغم من النقد الذي في جزء منه شعبوي حول القطاع إلا أن القطاع المصرفي قام ويقوم بدور محوري في المنظومة المالية والاقتصادية، ولكن تمر المملكة بموجة تحديث كبيرة أحد جوانبها تأسيس البنك الوطني للتنمية - مظلة كبيرة للصناديق الحكومية المتخصصة. أيضا من المبكر معرفة درجة الدمج أو الاستقلالية بين هذه الصناديق (المصارف التنموية المتخصصة) وتأثيرها في القطاع المصرفي، خاصة أن بعضها كان مرشحا محتملا للتخصيص، كذلك هناك تشجيع للمصارف الأجنبية التي نجحت مؤسسة النقد في استقطاب كثير منها، كذلك جاء تأسيس شركات التمويل لتضيف مساحة أخرى. لكن هناك حاجة إلى مصارف تكون مكاتبها الرئيسة في مناطق مختلفة من المملكة، سبق أن اقترحت أن الأفضل من تأسيس بنك الإنماء تأسيس عدة مصارف في مناطق المملكة المختلفة مثل المنطقة الجنوبية والمدينة والأحساء. كذلك لا بد من مواصلة الرقابة اليقظة والدقيقة بشريا (اعتماد شهادات الكفاءة المصرفية والمالية الدولية) ومحاسبيا، ورفع مستوى الشفافية خاصة في القروض وجودتها وتنوعها، إذ يبدو لي أن هذه أهم من الحصص السوقية أو عدد المصارف.

إنشرها