الأصول الآمنة والملاذات الاقتصادية

|

بعد انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، حدث نقص في الأصول الآمنة، لكن لم يكن نقصا فوريا، بل بعد عدة أعوام من هذه الأزمة. وهذه الأصول - كما هو معروف - أداة مالية لا تتعرض في أغلب الأحيان للمخاطر، ولا سيما تلك المرتبطة بالعجز عن السداد. وأثبتت جدواها "الآمن" حتى في الفترات العصيبة التي مر بها الاقتصاد العالمي، وهي - بالطبع - مصدر السيولة، خصوصا بعد أن تفقد الأصول عالية المخاطر قيمتها تحت وطأة أزمة أو ركود حتى لو كان ركودا عابرا.
وفي النهاية، تبقى الأصول الآمنة بعيدة عن مخاطر العجز في السداد، وإن تأثرت بصورة أو بأخرى بمستويات التضخم ومعدلات الفائدة. ومن هنا، يرى المستثمرون في هذه الأصول، ملاذات استثمارية أكثر ضمانة واستدامة، حتى لو كانت عوائدها أقل من تلك التي تتسم بالمخاطر. والنقص في الأصول الآمنة، يعني تلقائيا حدوث أزمة بأشكال متفاوتة وفق سمعة الاقتصادات المعنية بهذا الأمر.
وهذا ما يفسر حدوث أزمة ديون سيادية أوروبية بلغت ذروتها في عام 2012، وإن بدأت عمليا قبل ذلك بعامين، وضعت دولا أوروبية عدة على حافة الانهيار الاقتصادي. وكان لا بد من تدخل الاتحاد الأوروبي - ولا سيما ألمانيا - لنجدة هذه الدول، خاصة اليونان وإسبانيا والبرتغال حتى إيرلندا.
ومع تفشي وباء كورونا المستجد و"صناعته" أزمة اقتصادية يعشيها العالم حاليا، يبدو أن التحرك الحكومي في جميع الدول، خفف نقص الأصول الآمنة، وهي عادة تتجمع في الدول الأكثر تقدما، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. بمعنى، أنها ستصنع ديونا حكومية في هذه الدول أكثر من غيرها. دون أن ننسى، أن الولايات المتحدة هي المصدر الأساس لهذا النوع من الأصول.
السندات الحكومية عالية الجودة في الاقتصادات المتقدمة، تعرضت إلى تقييد في عرضها قبل انفجار أزمة عام 2008.
وكان السبب وراء ذلك، انخفاض العجز في الموازنات العامة آنذاك. هذا الأمر جعل مستوى العرض في السوق أقل بصورة لافتة، ما دفع القطاع الخاص إلى زيادة طرحه السندات المختلفة، بما في ذلك تلك الخاصة بالرهون العقارية، وغيرها من المنتجات المالية. غير أن هذا أثبت للعالم أن هذه الأصول ليست أكثر خطورة فحسب، بل غير آمنة أيضا، ما تسبب في اندلاع الأزمة الاقتصادية التي استحقت توصيف "أزمة الرهون". ومن هنا، فإن الأصول مرتفعة المخاطر سادت الساحة أعواما عدة، قبل أن تفجر الأزمة الكبيرة المشار إليها. وبالتالي، كان لا بد من التركيز على السندات الحكومية الآمنة جدا، خصوصا الأمريكية والألمانية.
هذه التجربة المريرة للاقتصاد العالمي، لا يبدو أنها ستتكرر حتى في ظل الأزمة الاقتصادية الناشئة عن تفشي كورونا. لماذا؟ لأن التدخلات الحكومية - خصوصا في الدول المتقدمة المصدرة للسندات والأصول - رفعت الدين العام بقوة. فقد وصلت حزم الإنقاذ في الولايات المتحدة إلى خمسة تريليونات دولار، وفي الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 2.5 تريليون يورو، وهذا ما يعزز عملية توفير الأصول عالية الجودة. بل إن هذه الأصول تعرض في السوق بصورة أسرع وأوسع من أي وقت مضى. مع ضرورة الإشارة إلى أن الحكومات نفسها أقدمت على شراء أصول لشركات ومؤسسات كبرى، انطلاقا من أهمية وجود هذه الشركات من الناحية المرتبطة بالسمعة الاقتصادية للدولة كلها. والتأكيد أيضا أن النظام المالي العالمي حاليا لا يزال معزولا عن الأزمة الاقتصادية الراهنة.

إنشرها