ما التأثير المتوقع للضريبة في السوق العقارية؟

|
قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة سريعا إلى تطورات السوق العقارية خلال الأعوام الأخيرة (2014 - 2019)، التي بدأ تأثرها خلال تلك الفترة بانخفاض أسعار النفط منتصف 2014 بتراجعات حادة في نشاط السوق، ثم صدور أنظمة التمويل العقاري قبل نهاية العام نفسه، انخفض على أثرها إجمالي قيمة صفقات السوق من 441.2 مليار ريال إلى أن استقرت عند 142.7 مليار ريال بنهاية 2018، مسجلة انخفاضا وصلت نسبته إلى 67.7 في المائة (انخفاض 298.2 مليار ريال)، وخلال تلك الفترة تم إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وسرعان ما أطمئن تجاهه تجار الأراضي كبارا وصغارا، بعد أن تم الاكتفاء منه بتطبيق المرحلة الأولى فقط، من بين أربع مراحل تنفيذية للنظام (الأراضي البيضاء الخام بمساحة عشرة آلاف متر مربع فأعلى) طوال أكثر من أربعة أعوام مضت.
وفي مطلع 2018 بدأ تطبيق ضريبة القيمة المضافة الأساسية (5 في المائة)، ولأن السوق العقارية كانت حينئذ تخضع لعديد من العوامل الاقتصادية والمالية الأخرى، فقد تأثرت بها سلبا على مستوى كل من الأداء والأسعار السوقية، على الرغم من أن التطبيق الأول للضريبة تزامن مع بدء صرف بدل غلاء المعيشة، حيث سجل متوسط الأسعار السوقية للأراضي والفلل والشقق السكنية خلال الأشهر الثلاثة التالية لتطبيق الضريبة، انخفاضا سنويا في المتوسط وصل إلى نحو 14 في المائة، واستمر الانخفاض في الأسعار حتى نهاية 2018 متأرجحا بين نسب راوحت حينئذ بين 20 و25 في المائة، وهي النسب من الانخفاض التي لا تكاد تذكر مقارنة بنسب الارتفاع القياسية التي شهدتها تلك الأصول العقارية خلال الفترة 2006 - 2014.
ومع مطلع 2019 شهدت السوق العقارية، تحولا جذريا كان بالنسبة لتجار الأراضي والعقارات بمنزلة طوق النجاة، تمثل في زيادة ضخ القروض العقارية الممنوحة من البنوك ومؤسسات التمويل، إضافة إلى الدعم المباشر للعسكريين والمدنيين، وصل إجمالي تلك القروض إلى نحو 90 مليار ريال بنهاية 2019 (شكلت 67.1 في المائة من قيمة صفقات القطاع السكني)، ما أسهم بدوره في نمو نشاط السوق العقارية 22.5 في المائة، وعودة أسعار مختلف الأصول العقارية إلى النمو مجددا بمعدلات عالية لأول مرة منذ 2014، واستمر النمو مع مطلع 2020 على مستوى النشاط والأسعار السوقية، مستفيدة من تصاعد وتيرة ضخ القروض العقارية في أيدي الأفراد، التي سجلت نموا سنويا قياسيا خلال الربع الأول من العام الجاري وصل إلى نحو 113 في المائة (31.8 مليار ريال)، مقارنة بالفترة نفسها من 2018.
اصطدمت السوق العقارية مع نهاية الربع الأول 2020 بانتشار الجائحة العالمية لفيروس كورونا (كوفيد - 19)، واتخاذ الحكومة عديدا من التدابير الاحترازية للتصدي لتداعيات تلك الجائحة، استغرقت أغلب الفترة الزمنية للربع الثاني من العام الجاري، نتج عنها تراجع حاد غير مسبوق في نشاط السوق العقارية، وتخلت خلالها الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية عن وتيرتها الصاعدة التي بدأتها منذ مطلع 2019، حتى اصطدمت السوق العقارية مع مطلع الربع الثالث الجاري بتطبيق زيادة الضريبة إلى 15 في المائة، وإيقاف صرف بدل غلاء المعيشة.
لتقدير أثر هذا التطور في السوق العقارية، يجب الأخذ في الحسبان الظروف الاقتصادية والمالية المحيطة، وهي كما هو قائم خلال الفترة الراهنة تكتظ بتحديات بالغة الصعوبة على الجميع، لم يسبق للاقتصاد العالمي أن واجهها منذ الكساد الكبير. أما على الصعيد المحلي، فتكفي الإشارة إلى قرار وزارة المالية بتخفيض عقود استئجار المقار الحكومية المستأجرة بما لا يقل عن 20 في المائة، عدا بقية العوامل الأخرى التي تشمل عودة مئات الآلاف من العمالة الوافدة إلى بلدانها، ولجوء أغلب منشآت القطاع الخاص إلى تقليص أنشطتها والمواقع المستأجرة، واتفاقها على خفض إيجارات محالها ومواقعها، إضافة إلى أحد أكبر العوامل المؤثرة المتمثل في تقلص القوة الشرائية للأفراد لعديد من الأسباب المرتبطة بالتطورات السالفة الذكر.
إن محاولة تقدير الآثار في السوق العقارية من منظور ما تقدم ذكره أعلاه، وأخذا في الحسبان استنفاد السوق العقارية إيجابيات (انخفاض الفائدة، ارتفاع القروض العقارية، توقف استكمال بقية مراحل رسوم الأراضي)، يمكن القول إن الآثار ستأتي عكسية إلى حد بعيد على أداء السوق العقارية، وعلى مستويات الأسعار السوقية المتضخمة جدا، ويزيد من ضغوط تلك الآثار الارتفاع الكبير لعرض الأراضي والوحدات السكنية خلال الفترة الراهنة، ولا تقابلها القوة الشرائية المكافئة. وإذا كانت آثار الضريبة عند نسبة 5 في المائة خلال أول ثلاثة أشهر من 2018، أدت إلى انخفاض الأسعار في المتوسط 14 في المائة، فالمتوقع في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، أن تتجاوز نسب الانخفاض خلال الأشهر القليلة المقبلة نسبة الانخفاض التي حدثت خلال 2018، وهو الأمر الذي إذا حدث ستكون له آثار إيجابية بكل تأكيد في الاقتصاد الوطني والمجتمع، وفي القطاع الخاص، وسيسهم بدوره في خفض تكاليف المعيشة على كواهل الأفراد والأسر، وسيسهم كذلك في خفض تكاليف التشغيل والإنتاج لدى منشآت القطاع الخاص.
أما بالنسبة لأصحاب توقعات أن ترتفع الأسعار، فلا شك أنهم كما يبدو يقفون خارج عالمنا اليوم، ولا ترى أعينهم الأزمات والتحديات التي سيطرت مخاطرها على أغلب الاقتصاد العالمي المعاصر، بل إنهم حتى لا يرون الأوضاع المالية البالغة الصعوبة للشركات العقارية، سواء على المستوى المحلي أو على المستوى العالمي، التي وصل عديد منها إلى إعلان الإفلاس، وقد يدرك أصحاب هذه "الأمنيات" الخطأ الفادح لتوقعاتهم بعد فوات الأوان، وهو الدرس الجيد الذي يؤمل أن يكونوا قد تعلموا منه، والبدء مجددا برؤية أوسع، وخبرة أعمق بالسوق.
إنشرها