السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن اليقين أشبه بقوس قزح: فهو حدث رائع، لكنه نادر نسبيا. في أغلب الأحيان، نعرف أننا لا نعرف، وربما نسعى إلى علاج هذا النقص عن طريق التحدث إلى أشخاص ربما يعرفون ما نريد معرفته، لكن كيف نعرف أنهم يعرفون؟ إذا لم يكن بوسعنا أن نتحقق إذا ما كانوا يعرفون حقا، فيجب علينا أن نثق بهم.

تاريخيا، كنا نمنح ثقتنا على أساس العِلم، أو الخبرة، لكن ماذا لو كانت المعرفة التي نسعى إلى الحصول عليها لا وجود لها بعد، وحتى العِلم يعلم أنه لا يعرف ماهية المطلوب منه؟

وبحسب تقرير ريكاردو هاوزمان، وزير التخطيط السابق في فنزويلا وأستاذ في كلية جون إف كينيدي الحكومية في جامعة هارفارد: هذا هو الوضع الذي نجد أنفسنا فيه حاليا مع مرض فيروس كورونا 2019 كوفيد - 19 وفيروس SARS-CoV-2 الذي يحدثه. صحيح إن معرفتنا بفيروس كورونا الجديد تتزايد بسرعة، لكنها غير كافية على الإطلاق، فنحن لم نتعلم بعد كثيرا عن كيفية علاج المصابين بعدواه، علاوة على التوصل إلى كيفية إنتاج لقاح فعال، نحن لا نعرف حتى كيف نتحكم في الجائحة بشكل يمكن التعويل عليه من خلال تدابير التباعد الاجتماعي.

صحيح إن بعض الدول كانت ناجحة بشكل لافت للنظر في الحد من حالات الإصابة والوفاة بمرض فيروس كورونا 2019 بعد بلوغها قمما رهيبة، الدول الأربع التي سجلت حتى الآن أكبر عدد من الوفيات لكل مليون نسمة في أسبوع واحد هي بلجيكا، إسبانيا، فرنسيا، وإيرلندا، والآن انخفضت حالات الإصابة الجديدة في هذه الدول بأكثر من 95.5 في المائة من الذروات التي بلغتها "وبنسبة 99.1 في المائة في حالة إيرلندا"، ما يشير إلى أن عمليات الإغلاق في هذه الدول كانت ناجحة بالفعل.

مع ذلك، في حين تمكنت دول أخرى فرضت عمليات إغلاق أكثر صرامة من الناحية القانونية "وفقا لقياسات مدرسة بلافاتنيك في جامعة أكسفورد" وقلصت الحركة بدرجة أكبر "وفقا لقياسات جوجل" من تجنب ذروات قاتلة مبكرة، فإن حالات الإصابة لديها استمرت في النمو بشكل هائل، تشمل الدول في هذه الفئة الهند، شيلي، بيرو، كولومبيا، السلفادور، الكويت، جنوب إفريقيا، والمملكة العربية السعودية. وشهدت مجموعة أخرى من الدول بما في ذلك إسرائيل وألبانيا، استئناف نمو حالات الإصابة بأعداد هائلة بعد أن أنهت عمليات الإغلاق الناجحة.

لا يستغرق الأمر وقتا طويلا لوضع عديد من الفرضيات ــ من البسيطة إلى التكهنية ــ في تفسير هذه الفوارق. ومن الواضح أن تحديد أفضل التفسيرات لنجاح الدول المتفاوت في السيطرة على الجائحة أمر عظيم القيمة عند تصميم استراتيجيات الصحة العامة، التي ستترتب عليها عواقب ربما تكون بالغة الضخامة.

على سبيل المثال، ربما يكون انتقال عدوى الفيروس بين أفراد الأسرة الواحدة سهلا في الأسر الكبيرة، في حين قد يضطر الناس في بعض الدول بسبب نقص مبردات الطعام إلى الذهاب إلى السوق بوتيرة أكثر تكرارا، وقد يمنع عدم توافر المياه الجارية غسل اليدين بشكل متكرر، وربما يتفاوت استعداد عامة الناس لارتداء أقنعة الوجه، وقد يكون حجم الاقتصاد غير الرسمي في أي دولة، وقدرة الأسر المالية على الالتزام بتدابير الإغلاق، وسخاء التحويلات الاجتماعية، من العوامل المساهمة، ومن العوامل المهمة أيضا، مدى جدية فرض تدابير الإغلاق، ومستوى الثقة بالحكومة، بل حتى السمات الشخصية الوطنية لأي دولة.

لكن المعرفة لا تتقدم بمجرد صياغة فرضيات معقولة، بل يتعين علينا أن نعرف أي هذه الفرضيات يصمد تحت الاختبار، يمكننا تقصير القائمة من خلال تطبيق القول المأثور الذي جاء على لسان العالم البريطاني توماس هكسلي في القرن الـ19 "عديد من النظريات الجميلة قتلته حقيقة قبيحة".

لإنجاز هذه المهمة، لا نحتاج إلا إلى جمع مزيد من البيانات وإتاحتها للتحليل. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يبدو أن نحو 40 في المائة من الوفيات بسبب كوفيد - 19 حتى الآن ترتبط بدور رعاية المسنين. على نحو مماثل، وجدت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة تل أبيب في أكثر من 30 دولة أوروبية علاقة بين سعة دار الرعاية الرسمية والوفيات بسبب كوفيد - 19.

الواقع أن هذه التحليلات ليست معقدة ولا تحتاج إلى عالِم صواريخ، بل هي في الحقيقة شديدة البساطة، لأنها تستخدم بيانات وطنية عامة وليس البيانات الأكثر دقة القائمة على الرمز البريدي، علاوة على ذلك، لم تظهر هذه الدراسات إلا بعد وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص بالفعل بسبب كوفيد - 19.

وعلى هذا، فبدلا من كونها انتصارا علميا، توضح مثل هذه النتائج إلى أي مدى كانت سياسات الصحة العامة في مكافحة الفيروس غير علمية. لو كنا افترضنا منذ اندلاع الجائحة أننا نعرف أننا لا نعرف، فإننا كنا سنعمل على إنشاء حلقات تغذية مرتدة سريعة للتعلم بأسرع وقت ممكن من التجربة.

على وجه التحديد، كنا سنركز على جمع بيانات بسيطة حول كل حالة من حالات الإصابة بعدوى كوفيد - 19 - تاريخ تأكيد الإصابة، عمر المريض، نوعه الاجتماعي، عنوان بيته ومحل عمله، وسيلة النقل التي يستخدمها، والمخالطين له ــ واستكمال هذا ببيانات إضافية حول الرعاية في المستشفيات والنتائج مع تقدم المرض، هذه البيانات موجودة بالفعل في عديد من الحالات، لكنها مخفية عن المجتمع وغالبا عن المسؤولين من قِبَل وزراء صحة مفرطي الحماسة أو محدودي الاطلاع، ولا تتاح لعديد من المحللين المدربين القادرين على المساهمة في صنع السياسات. وكما اقترحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تستطيع الحكومات أن تتبنى أيضا أساليب تستخدم بيانات الهاتف المحمول الفردية، والبحث على الإنترنت، والاستطلاعات السريعة عبر الهاتف، مع مراعاة المخاوف بشأن الخصوصية.

يعتقد عديد من الحكومات أن هذا النوع من الاستراتيجيات التي تعتمد على البيانات للتصدي للجائحة يتجاوز قدرتها، فتقرر الاستعانة بما تعلمته دول أخرى من خلال تبني أفضل الممارسات، وهذا نهج خاطئ. إن تأثير الجائحة في الدول المختلفة يتفاوت ويتباين بطرق لا نفهمها حاليا ونحتاج إلى اكتشافها، فهل الأشخاص الذين يعيشون في بيرو في منازل بدون مبردات طعام، على سبيل المثال، أكثر عرضة للإصابة بالعدوى حقا؟

علاوة على ذلك، كل نظام للإغلاق والتباعد الاجتماعي يختلف عن غيره، ما يعكس الدرجات العديدة من الحرية في تصميم هذه الأنظمة. الآن، يشكل التعرف على الأساليب الناجحة والفاشلة والتمييز بينها على أساس يومي أمرا بالغ الأهمية، خاصة ونحن نحاول إيجاد طرق لفتح الاقتصادات مع الإبقاء على معدلات الإصابة عند مستوى منخفض.

لا تزال المعركة ضد كوفيد - 19 في مراحلها المبكرة، ولم يفت الأوان بعد لبدء هذا الجهد. قال سقراط "أن تعرف أنك لا تعرف شيئا لهو تناقض اصطلاحي"، علينا أن نجعل معرفتنا بجهلنا بالفيروس، وقدرتنا على التغلب عليه، مصدر قوة. وينبغي لنا أن نوطن النفس على التعلم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية