سكوتوما

|
في أحيان كثيرة، نجد أنفسنا نبحث عن أشياء في كل مكان وننسى أنها أمامنا، نبحث عن الشخص المناسب، وهو حولنا سواء عاطفيا أو عمليا أو غيره.
أذكر مرة أن زميلا سابقا سألني عن شخص يرغب في تعيينه مديرا لقسم محدد، وضع أمامي خيارات يرغب استقطابها من جهات متعددة، فقلت له، إنها كلها أسماء متميزة، لكن، يعمل في فريقك "موهبة فذة" مناسبة لهذا الموقع، لمَ لا تمنحها الفرصة بالتكليف؟ فأجاب مبتهجا: "فعلا". ثم سألني: "كيف لم أنتبه له؟".
إن أغلبنا مصاب بـ"سكوتوما". وهي كلمة يونانية قديمة، تعني حرفيا "العتمة" أو "الظلام"، إن استخدمت في معرض الطب فهي تدل على ما يعرف بـ"البقعة العمياء"، وهي منطقة خالية من أي مستقبلات للضوء في شبكة العين، لكنها محاطة بمناطق غنية بتلك المستقبلات، وبالتالي فهي عاجزة عن رؤية ما يقابلها حقيقة، لكن الدماغ يمارس تلقائيا عملية خداع بحيث لا تظهر كنقطة مظلمة أمامنا، بل يغطيها الدماغ بصور مماثلة من العين الأخرى أو من المناظر المجاورة لها.
بعيدا عن الطب، يستخدم المصطلح على سبيل الاستعارة للدلالة على ظاهرة، عدم إدراك المرء الصورة الكاملة التي تظهر أمامه في مختلف المجالات النفسية والعملية وغيرها.
عالم الأعصاب البريطاني "أوليفر ساكس"، كتب عن هذا الموضوع في كتابه، الذي يحمل عنوان "الرجل الذي ظن القبعة زوجته"، وتحدث عن الحالة المتطرفة لأحد مرضاه الذي كان يعاني "عمى بصريا" منعه من التعرف على حقيقة الأشياء التي يراها، وقد تحولت القصة في 1986 إلى عمل فني على شكل أوبرا من تأليف الفنان مايكل نيومان.
كل ما أود أن أقوله هو، إنه ينبغي دائما أن نحارب ظاهرة "سكوتوما" الحسية، التي تحرمنا الشعور بمن حولنا.
حارب الظلام الذي يغيب الأشخاص من أمامك.
أطفئ العتمة التي تجعلك تتنبه للبعيد وتنسى القريب.
ركز أكثر، واقترب من محيطك قبل أن تغادره، لتستكشفه وتنعم بما يكتنز به.
وتذكر دائما: الأقربون أولى بالمعروف.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها