اقتصاد ما بعد كورونا «8»

|
منذ بداية تداعيات أزمة كورونا أعلنت الحكومة مجموعة من المبادرات العاجلة وصلت إلى 142 مبادرة استهدفت دعم الأفراد ومنشآت القطاع الخاص والمستثمرين، تجاوزت قيمتها 214 مليار ريال، ومددت العمل بعديد من تلك المبادرات استمرارا لما قدمته وتقدمه في تخفيف تبعات الجائحة. والآن، نحن أمام متغير جديد وهو العمل بالسعر الجديد (15 %) لضريبة القيمة المضافة مرتفعا عما كان عليه (5 %) من بداية تطبيقها في 1 كانون الثاني (يناير) 2018. وباعتبار أن ضريبة القيمة المضافة هي ضريبة على الاستهلاك، يتأثر سلوك المستهلك بدءا من صدور قرار بتطبيق ضريبة القيمة المضافة. حيث تقول الدراسات القائمة على الأدلة إن سلوك المستهلك يمر بثلاث حالات: (1) قبل الزيادة مباشرة يرتفع الاستهلاك استباقا لفرض الضريبة بقصد تجنب الزيادة (2) بعد الزيادة مباشرة يتراجع الاستهلاك لتجنب دفع الزيادة إلا في أضيق الحدود (3) بعد ذلك يعود الاستهلاك بالتدريج إلى طبيعته قبل انعكاسات زيادة الضريبة.
وبداهة، لا أحد يرغب في ارتفاع الأسعار، لا المستهلك ولا البائع، ففي ظل الركود يصعب على التاجر تمرير الزيادة السعرية لزبائنه، فصعب عليهم دفع مزيد للسلعة ذاتها. ليس هذا فقط، بل إن الزيادات السعرية تؤثر في استقرار حصته من السوق، وهذا التأثير يتفاوت إن كانت السلعة تموينية أو ضرورية أو كمالية وإن كانت لها بدائل أم لا. ومن ناحية ثانية، فمؤكد وفي كل الأحوال الاقتصادية تراجع الطلب عند ارتفاع السعر.
وهكذا، فالتاجر سيكون أمام مزيد من تراجع للطلب المتراجع أصلا، ما سيضطر البائع إلى خفض السعر خفضا متواليا ليجلب الزبائن، وإن فشل في استجلابهم فقد يصمد بعض الوقت ثم قد لا يتمكن من الاستمرار في نهاية المطاف. لكن المتوالية لا تقف، فتراجع الطلب يتبعه تناقص العرض، فتراجع الواردات والإنتاج المحلي وتباطؤ حركة المخزون. في المحصلة، من المتوقع أن يشهد النصف الثاني من عام 2020 "زحزحة" في الأسعار، ليست بالضرورة صعودا، وما يعزز ذلك السلوك في النصف الثاني من العام، أن الفترة بين الإعلان عن رفع سعر الضريبة إلى 15 في المائة (11 مايو 2020) وتاريخ نفاذ قرار الزيادة (1 يوليو 2020) شهدت نشاطا لشراء السلع المعمرة، وسننتظر الإحصاءات، لكن الزحام - رغم احترازات التباعد الاجتماعي وطوابير الانتظار الممتدة - عند منافذ بيع تلك السلع خير شاهد. ومن ناحية المستهلك، فثابت أن إنفاق الفرد يزيد وينقص تبعا لدخله، وعندما يتأثر الدخل وترتفع تكاليف الحياة فالحل إجمالا أن يراجع المستهلك هيكل المصروفات بقصد تقليصها، والبحث عن مصادر إضافية للدخل. وما علاقة كورونا بالموضوع؟ عندما يقلق المستهلك على استقراره الوظيفي، يقلل من استهلاكه، أي من مصروفاته، وبذلك نضيف سببا إلى تراجع الطلب بما يعني أن على البائع استيعاب الضغط على هامش ربحه.
إنشرها