تعمق التباطؤ الاقتصادي العالمي

|
رفع صندوق النقد الدولي، أخيرا، توقعاته الانكماشية لمعدلات نمو الاقتصاد العالمي - المنشورة قبل ثلاثة أشهر - بنسبة 1.9في المائة إضافية، مستشرفا أن يتعمق التباطؤ الاقتصادي العالمي بنحو 4.9 في المائة في 2020. وأرجع زيادة توقعاته الانكماشية إلى انخفاض تقديراته السابقة لحدة تراجع الاقتصاد العالمي الفعلية في النصف الأول من 2020، وتفاؤله الأكثر من الواقع لمعدلات الانتعاش الاقتصادي العام المقبل. وتشير تقديرات الصندوق الأخيرة إلى نمو الاقتصاد العالمي العام المقبل 2021 بمعدل 5.4 في المائة عن مستويات 2020. وسيصل إجمالي خسارة الاقتصاد العالمي من الجائحة في 2021، إلى نحو 6.5 في المائة من مستوياته المتوقعة قبل تفشيها.
جاء تراجع توقعات النمو بسبب استمرار آثار الجائحة في الاقتصادات العالمية حتى بعد تراجع معدلات الإصابة بالمرض في الدول التي أعادت فتح اقتصاداتها. وقادت متطلبات الصحة العامة وأهمها التباعد الاجتماعي، إلى خفض معدلات تعافي الأنشطة الاقتصادية. وما زال جزء كبير من سكان العالم تساورهم مخاوف العدوى، ما يدفع إلى إحجام كثير منهم عن الإنفاق والاستثمار، حتى الذهاب إلى العمل ولو بشكل جزئي. إضافة إلى ذلك ضربت طبيعة الجائحة قطاعات معينة، وخصوصا قطاعات الخدمات التي تتطلب تواجه أو تزاحم الأشخاص لاستهلاكها أو إنتاجها. سيستمر لبعض الوقت تجنب مستهلكين كثر بعض الخدمات التي يرون انخفاض أهمية استهلاكها، كما قد يحجم جزء من العمالة عن ممارسة بعض الخدمات، ما يعني تراجعات في إنتاج وطلب عديد من الخدمات التي توظف أعدادا كبيرة من البشر.
رفع الصندوق نسبة انكماش اقتصادات الدول المتقدمة إلى 8 في المائة في 2020 وخفض نموها العام المقبل، إلى نحو 4.8 في المائة. وستشهد منطقة اليورو تراجعا قويا في مستويات اقتصادات المنطقة ككل قد يصل إلى 10.2 في المائة، حيث ستعاني فرنسا وإيطاليا وإسبانيا معدلات انكماش تزيد على 12 في المائة في 2020. أما الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن تسجل نسبتي 8 في المائة، و 4.8 في المائة انكماشا ونموا في 2020 و2021 على التوالي. في الجانب الآخر للولايات المتحدة من المحيط الهادئ، ستسجل اليابان معدلات انكماش ونمو أقل من معدلات الدول المتقدمة العامين الحالي والمقبل. وإلى الغرب من اليابان، توقع الصندوق أن تكون الصين الدولة الوحيدة بين الاقتصادات الكبرى التي ستحقق نموا في 2020، إلا أنه سيكون محدودا وبنسبة 1 في المائة، ولكن اقتصادها سينتعش بقوة العام المقبل بنسبة تتجاوز 8 في المائة. أما الهند، فستتوقف مسيرة نموها هذا العام حيث سيتراجع إجمالي ناتجها المحلي بنسبة 4.5 في المائة، ويعود للانتعاش العام المقبل بنسبة 6 في المائة.
ستتعرض الأسر للضغوط، خصوصا في الدول الأقل دخلا، وستنخفض معدلات الناتج المحلي للفرد في معظم دول العالم هذا العام وستكون معدلاته العام المقبل أقل من معدلات 2019 لأغلب سكان العالم. من جهة أخرى، حذر الصندوق من تأثيرات الجائحة السلبية في جهود مكافحة الفقر المدقع حول العالم. وستتسبب الآثار الاقتصادية للجائحة في زيادة معاناة أصحاب الدخول المنخفضة أكثر من باقي الشرائح السكانية، ما سيقلص النجاحات المتحققة خلال العقود الثلاثة الماضية في التصدي للفقر المدقع حول العالم.
يلعب النمو الاقتصادي العالمي دورا محوريا في تحديد معدلات نمو الطلب على النفط، ولهذا فإن التراجعات القوية لها تأثيرات سلبية في الطلب العالمي النفطي، ما سيزيد الضغوط على أسعاره المستقبلية ويجبر الدول المنتجة على زيادة تخفيضات الإنتاج أو القبول بأسعار أقل. ويستشرف الصندوق أن يبلغ متوسط أسعار النفط هذا العام ما يقارب 36.2 دولار للبرميل، ونحو 37.5 دولار للبرميل العام المقبل. أما أسعار المواد الأولية الأخرى، فسترتفع قليلا عن مستوياتها الحالية. وتقل توقعات الصندوق لأسعار النفط هذا العام عن معدلات الأسعار المحققة والفعلية في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي التي بلغت 39.74 دولار للبرميل من خام برنت. كما تقل توقعات الصندوق لأسعار النفط العام المقبل عن الأسعار المستقبلية الحالية للعام المقبل بنحو خمسة دولارات. وأعتقد أن تطلعات الصندوق لأسعار النفط العالمية متحفظة، حيث تبدي الدول المنتجة استعدادا فعليا للدفاع عن الأسعار، كما قد تستغل دول كبرى كالصين والولايات المتحدة الأسعار المنخفضة لبناء مخزوناتها الاستراتيجية. وتعاني عادة توقعات الأسعار بوجه عام والنفط بوجه خاص انخفاض الثقة الذي يزداد مع طول فترة التوقع. يذكر الصندوق أن درجة الثقة بتوقعاته بوجه عام أو في أي توقعات خلال الجائحة منخفضة بسبب إمكانية حدوث تغيرات إيجابية إذا اكتشف دواء أو لقاح للمرض، وقد تكون مبالغا فيها إذا حدثت موجات أخرى للمرض أشد ضراوة مما حدث حتى الآن.
إنشرها