الاقتصاد التركي في دائرة الخطر

|

يواجه الاقتصاد التركي أزمات مختلفة وشديدة، حتى قبل انتشار وباء كورونا المستجد. ومع الأزمة الاقتصادية التي خلفها الوباء، صارت المشكلات التي يعانيها هذا الاقتصاد خطيرة إلى أبعد الحدود، ما دفع الجهات الدولية إلى التعاطي معه بحذر شديد، وبعضها أطلق صفارات الإنذار للتحذير من التراجع الكبير له. وظهر هذا واضحا عبر خروج نسبة متعاظمة من الاستثمارات الأجنبية من هذا البلد.
فالاقتصاد التركي يعول على هذه الاستثمارات منذ أعوام عديدة، كما أنه يعتمد على تصنيفات ائتمانية أصبحت متناقصة هي الأخرى.
وعلى هذا الأساس، كانت ضربات جائحة كورونا قوية على تركيا، التي تشهد (كما يعرف الجميع) تخبطا اقتصاديا منذ عدة أعوام أيضا بسبب التدخل المباشر للرئيس رجب طيب أردوغان فيه لأسباب سياسية، الأمر الذي دعا إلى استقالات متعددة في أوساط القائمين على الاقتصاد الوطني.
الليرة التركية تصدرت المشهد الاقتصادي حيث تعرضت لضغوط مستمرة، فقد تراجعت هذه العملة إلى مستويات منخفضة مخيفة بالفعل، وزاد تراجعها مع انتهاء دورة التيسير النقدي الذي اعتمدته الحكومة، بعد أن قفز التضخم إلى معدلات مرتفعة أيضا. فمنذ بداية العام الجاري تراجعت الليرة 13 في المائة، الأمر الذي أدى تلقائيا إلى استنزاف الاحتياطي من النقد الأجنبي، فضلا عن ارتفاع الالتزامات الخارجية للبلاد. وأدى هذا إلى تعرض تركيا لمخاطر تمويل خارجية، فالأزمة الاقتصادية الناتجة عن كورونا، ضربت كل قطاعات الاقتصاد التركي، ولا سيما الاستثمارات والسياحة والخدمات المساندة، ووفقا لإحصائيات وكالات التصنيفات العالمية فإن مبيعات العقارات في السوق التركية تراجعت خلال 2019 أكثر من 2 في المائة مقارنة بـ2018، مدفوعة بتذبذب وفرة السيولة من جهة، وضعف الثقة بالاقتصاد المحلي من جهة أخرى.
فضلا عن توقف وتيرة الإنتاج في مجالات مختلفة، كانت توفر النقد الأجنبي للبلاد عبر التصدير، الذي يستند إلى تسهيلات أوروبية تتمتع بها تركيا منذ أعوام.
ولم تتوقف أزمة الليرة التركية عن التأثير في مختلف قطاعات الاقتصاد المحلي، وسط عجز حكومي عن استعادة الصعود للعملة التركية مقابل النقد الأجنبي، ما دفع إلى صعوبات يعيشها المجتمع المحلي.
كما دفعت أزمة هبوط الليرة التركية منذ آب (أغسطس) 2018 إلى هبوط مؤشرات اقتصادية، مثل العقارات والسياحة والقوة الشرائية، في الوقت الذي قفزت فيه نسب التضخم، وتراجعت ثقة المستثمرين والمستهلكين بالاقتصاد المحلي، كما أعلنت شركات إفلاسها.
ووفقا لبيانات وكالات التصنيف العالمية أيضا فإن الاقتصاد التركي يسجل أسوأ أداء له منذ تسعة أعوام بسبب أزمة الليرة.
كل هذه العوامل وغيرها، وضعت الاقتصاد التركي في دائرة الخطر الذي من المتوقع أن يستمر لفترة لن تكون قصيرة. فالتضخم وصل إلى 12.5 في المائة على أساس سنوي، وفق الأرقام الحكومية، وهذا ما سيجبر البنك المركزي التركي على الإقدام على رفع أسعار الفائدة، وهو أمر يرفضه أردوغان منذ أعوام، وكان سببا مباشرا في خلافات حكومية داخلية.
في ظل هذه الأجواء، ارتفعت الديون الحكومية إلى مستويات عالية، حيث بلغت 453 مليار دولار، أو ما يوازي 53 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. فضلا عن حجم الدين الخارجي الذي بلغ 200 مليار دولار، وفق البيانات الحكومية نفسها، أي أن مكامن الاقتصاد الوطني صارت مهتزة بصورة لا يمكن أن يتحملها اقتصاد كهذا لفترة طويلة. وهذا ما يفسر في الواقع المطالب التركية الدائمة من قطر لقيام الأخيرة بضخ السيولة النقدية، لمواجهة المشكلات المتصاعدة، وكان آخر الطلبات تلك التي تقدم بها أردوغان للدوحة في زيارته التي تمت قبل يومين لقطر. فتركيا لم تعد تحتمل الضغوط على كل المكامن الاقتصادية فيها، وفي مقدمتها الليرة التي تتوقع الجهات الدولية أن تتراجع في الفترة المتبقية من العام الحالي، ما يرفع من حدة الأزمة الاقتصادية ككل.
وتؤكد المؤسسات الدولية، أن العملة التركية ستخسر ما يزيد على 18 في المائة من قيمتها في غضون عام. دون أن ننسى بالطبع، أن الاحتياطي النقدي انخفض حتى قبل كورونا من 81 إلى 51 مليار دولار، بصرف النظر عن أن جهات دولية تشكك في هذه الأرقام، حيث تعتقد أن هذا الاحتياطي يقف حاليا عند 16 مليار دولار فقط.
الأزمة الاقتصادية في تركيا، يتسارع تفاقمها، دون وجود أي مؤشر يدعو إلى التفاؤل في المستقبل المنظور على الأقل. إذن وبلغة الأرقام التي لا تكذب، تؤكد أن الاقتصاد التركي دخل في أزمة حقيقية لن يخرج منها بسهولة في ظل أرقام بطالة تتصاعد وتراجع قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية.

إنشرها