الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

وصل بيتهوفن في وقت مبكر من مساء السابع من أيار (مايو) 1824 إلى مسرح آم كيرنتنيرتور في فيينا. جاء ليتمنى التوفيق للعازفين والمغنين قبل العرض الأول لما سيصبح أشهر مؤلفاته الموسيقية، السيمفونية التاسعة، التي لحن فيها "أنشودة الفرح" لشيلر.

الحادث الذي أسر خيال الأجيال اللاحقة وصلنا من جورج جروف الكاتب الموسيقي الإنجليزي. بعد عدة عقود من العرض الأول، تذكر جروف كيف أخبرته كارولين أونجر مطربة الكونترالتو : "في نهاية العمل العظيم، واصل بيتهوفن الوقوف وظهره للجمهور، ويحرك عصاه أمام الفرقة لتحديد الإيقاع (فقد كان أصما ولم يكن يعلم أن العزف انتهى)، حتى (أدارته)، أو أوعزت إليه بالالتفاف ومواجهة الناس الذين كانوا يصفقون".

لا توجد صورة أكثر حيوية أو مؤثرة لصراع بيتهوفن مع الصمم. الفكرة القائلة إن مؤلف هذه السيمفونية العظيمة لم يكن قادرا على سماع أي نغمة من موسيقاه الخاصة، ساعدت على بناء الصورة الرومانسية لبيتهوفن، الموسيقار حاد المزاج الذي لم يكن يحب الناس، وكان يحارب صعوبات مستحيلة.

الصورة راسخة لدرجة أنه نادرا ما يتم التشكيك فيها. الآن، في مقال في "مجلة بيتهوفن"، من تأليف تيودور ألبريشت، أستاذ علم الموسيقى في جامعة كنت ستيت في ولاية أوهايو، يضع هذه الصورة تحت المجهر. ألبريشت هو محرر أول ترجمة إنجليزية كاملة لـ"كتب المحادثة" لبيتهوفن: دفاتر الملاحظات التي كان يحملها الموسيقار معه للتواصل بعد أن ضعف سمعه بشكل خطير. توثق صفحاتها، على حد تعبير ألبريشت "حياته اليومية، وتسجيلا لطريقة حياته، والأشخاص الذين كان على علاقة معهم". وهي تعطينا أقرب صورة يمكننا الحصول عليها لهذا الموسيقار.

حقيقة أن سمع بيتهوفن تدهور بشدة خلال حياته ليست محل نزاع. في وقت مبكر من تشرين الأول (أكتوبر) 1802، عندما كان عمره 31 عاما، سكب يأسه في وثيقة مفجعة، معروفة باسم "شهادة هيليجنشتات": "اضطررت مبكرا لعزل نفسي، والعيش في الوحدة (...) كان من المستحيل بالنسبة لي أن أطلب من الرجال أن يرفعوا أصواتهم، وأن يصرخوا، لأنني أصم. آه، أنى يكون لي أن أعترف بمثل هذا العيب في الجانب الذي كان ينبغي أن يكون أكثر مثالية في داخلي من الآخرين".

قام ألبريشت بفرز التعليقات التي كتبها الأشخاص في الكتب (التي بقي منها 139 تعليقا، والمؤرخة من 1818 حتى وفاة بيتهوفن في 1827) ويقدر أن هناك أكثر من 20 مناسبة من الواضح فيها أن الملحن احتفظ ببعض السمع على الأقل.

يقول ألبريشت: "الشيء الرئيس أنه كان يسمع أكثر وفي فترة متأخرة من عمره مما كنا نعتقد في الماضي. غالبا ما كان المراقبون يطلقون عليه ’أصم تماما‘، لكنهم دائما كانوا أشخاصا لا يعرفونه جيدا. والذين عرفوه عن كثب وجدوا أنه يمكنه سماعهم إلى حد ما، وهؤلاء هم في الغالب الأشخاص الذين نجدهم في كتب المحادثات".

قصة واحدة، على وجه الخصوص، لها دلالتها. كان بيتهوفن جالسا في مقهى واقترب منه بائع متجول يعاني أيضا مشكلة في السمع. قال له بيتهوفن وهو يشرح تجربته الخاصة: "لا تستخدم الأجهزة الميكانيكية (أبواق الأذن) قبل الأوان. بالامتناع عن استخدامها، حافظت على أذني اليسرى إلى حد ما (...) كلما كان ذلك ممكنا، من الأفضل (التحدث) من خلال الكتابة، وفي هذه الحالة لن يتم إهدار السمع".

هناك قدر لا بأس به من الأدلة الداعمة لدعوى ألبريشت. فرانز ليست، حين كان عمره 12 عاما، عزف البيانو له في 1823، على ما يبدو دون أي مشكلة. قال تاجر متنقل: "كنت أخشى ألا يتمكن بيتهوفن من فهم كلمة واحدة مما قلته، لكن تمكن بشكل جيد للغاية من فهم كل ما خاطبته به ببطء وبنبرة عالية (...) روايات الأحداث المتعلقة بصممه، التي انتشرت أخيرا في لندن، مبالغ فيها كثيرا". حتى وقت متأخر في 1825، لاحظ الإنجليزي جورج سمارت على نحو طريف: "كان بيتهوفن في أعلى معنوياته. كنا جميعا نكتب إليه بالتناوب، لكنه يستطيع أن يسمع القليل إذا كنت ترفع صوتك قريبا جدا من أذنه اليسرى".

بالنسبة للعرض الأول للسيمفونية التاسعة، يجادل ألبريشت أن هناك تقارير متضاربة عن تلك الفترة. يبدو من المرجح أن الحادث الذي وقع مع أونجر كان في وقت مبكر أثناء العرض، ما يفسر بشكل أفضل السبب في أن انتباه بيتهوفن انصرف إلى مكان آخر. مشكلات السمع لدى بيتهوفن من حيث كونها إعاقة كانت أقل تدميرا مما قد يدركه الشخص غير الموسيقي، حيث كان بإمكانه سماع أوركسترا في رأسه. ما لا يقل خطورة، وربما مع تأثير قوي في موسيقاه، كان من الممكن أن يكون عدم قدرته على الاختلاط بالآخرين. وهذا قد يفسر السبب في أن أعمالا مثل الرباعيات الوترية المتأخرة تتغلغل بقوة في النفس الداخلية.

يقول ألبريشت: "الأمر يشبه (الإغلاق) بسبب كورونا بالنسبة إلينا. نحن معزولون عن الأشخاص الذين نراهم عادة ويجب علينا البحث عن منافذ مختلفة. كان عليه أن يفعل ذلك في عصره، بسبب صممه".

الشخصية التي تبرز من دفاتر الملاحظات تختلف بطرق كثيرة مع الصورة الرومانسية الشعبية. يقول ألبريشت: "ما نراه هو بيتهوفن بشري جدا. كان إنسانا عاديا متميزا تماما ينتصر على كل هذا ويكتب روائعه التي ألفها. بدلا من الصورة المعروفة لشخص كريه متجهم، ينبغي أن ننظر إليه على أنه رجل ساحر وودود. في كتب المحادثة، نجده ينسجم جيدا مع العازفين، وهو ودود في تعاملاته مع المصرفيين والمحاسبين ومحرري الصحف، لذلك تراه في ضوء مختلف تماما".

حتى إننا نكتشف ما كان يحب على العشاء. هذا كان يشمل كثيرا من الأسماك والمعكرونة بجبن البارميزان واللحم المشوي مع السبانخ أو سلطة الهندباء البرية. وكان يحب أيضا أن يعد قهوة العصر بنفسه - 60 حبة قهوة في كل مرة.

التفاصيل اليومية التي تبرزها كتب المحادثة رائعة. إذا كان الصعود إلى أعالي السيمفونية التاسعة يبدأ بأن يصبح متعبا في هذه الذكرى السنوية الـ250، فمن الجيد أن نعرف أنه لا يزال بإمكاننا التواصل مع بيتهوفن على المستوى البشري.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية