الأسهم تتماسك والتكنولوجيا تكسب

|

على عكس كثير من التوقعات على الساحة الدولية، حققت الأسهم العالمية انتعاشا عده بعضهم فريدا من نوعه، لا سيما في ظل استمرار ضربات الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي وباء كورونا المستجد. صحيح أن نسبة كبيرة من الشركات المطروحة في الأسواق، باع المستثمرون أسهمها، بما في ذلك تخلص المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافت من أسهمه في شركات الطيران الأمريكية، لكن الصحيح أيضا أن مؤسسات وشركات التكنولوجيا وتلك المتصلة بقطاعات الصحة المختلفة، حققت ارتفاعا كبيرا، إلى درجة أنها عوضت خسائرها الاسمية بسرعة شديدة.
وهذا في حد ذاته كانت له آثار نفسية إيجابية في المستثمرين لا سيما في الأسواق الكبيرة على الساحة الدولية. هؤلاء المستثمرون أيقنوا أن الأزمة الاقتصادية الراهنة، لن تنال من الأسهم عموما، أكثر ما نالت منها في بداية الأزمة.
بالطبع هناك عوامل كثيرة لتماسك أسواق الأسهم العالمية، خصوصا تلك التي تحتوي على أسهم شركات التكنولوجيا، واستطاعت عمالقة التكنولوجيا النمو بشكل أكبر في عصر الوباء، ومن هذه العوامل حزم الإنقاذ التي طرحتها الحكومات حول العالم، من أجل التخفيف من الانعكاسات السلبية المخيفة الناجمة عن تعطيل الاقتصادات.
هذه الحزم حالت في الواقع دون وقوع العالم في أزمة مالية ربما ستكون معقدة جدا، الأمر الذي يفسر ارتفاع مؤشر مورجان ستانلي المركب لأسهم عموم دول العالم أكثر من الثلث.
وبعيدا عن مؤشر داو جونز الأمريكي، حققت الأسهم العالمية ارتفاعات حادة في جميع المجالات تقريبا، ويرى المراقبون في الأسواق العالمية كلها أن هذا الارتفاع المهم قاده في الواقع مؤشر ناسداك 100 الذي يضم شركات التكنولوجيا، وهذا المؤشر على وجه الخصوص، سجل رقما قياسيا آخر الأسبوع الماضي.
إن المسألة تتركز حول القناعة العالمية التي تكرست بسرعة فائقة في أعقاب اندلاع وباء كورونا وهي أن قطاعات قد تخرج من السوق نهائيا في أعقاب تخلص العالم من هذه الأزمة المخيفة، إلى درجة أن أعلن بنك إنجلترا المركزي، أن هناك نسبة من الأعمال لن تكون موجودة في المستقبل، بفعل الحقائق التي تركها الوباء على الجانب الاقتصادي.
وهذه القناعة، أظهرت بوضوح مدى أهمية ومحورية قطاع التكنولوجيا، وآفاق مستقبل هذا القطاع، بل مدى الضمانات الموجودة فيه على صعيد الاستثمار.
فالتكنولوجيا عززت الآمال على صعيد حضورها على الساحة في ظل مكوث الملايين في المنازل، وأصبحت شركاتها التي تعمل، في البيع بالتجزئة عبر الإنترنت وخدمة البث عبر الإنترنت رابحة بشكل كبير، وهذا النوع من الشركات ارتفعت قيمتها السوقية بنسب عالية حتى الآن هذا العام، فضلا عن جدوى الاستثمار فيها.
وأسهم عمالقة التكنولوجيا في دعم انتعاش سوق الأوراق المالية الشرسة، من عمليات البيع الناتجة عن تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، متحدية التوقعات التي تفيد بأن الانكماش الاقتصادي سيضع حدا لحب المستثمرين للأسهم سريعة النمو ذات الأسعار باهظة الثمن.
في حين ظلت المخاوف باقية حول سوق السندات مثلا، ذات العوائد المنخفضة بفعل سياسة الفائدة المتدنية التي تعتمدها أغلبية البنوك المركزية في العالم منذ أعوام وليس فقط في أعقاب الأزمة.
وفي كل الأحوال تحتاج الأسهم بكل قطاعاتها إلى انتعاش اقتصادي لا يبدو قريبا على الساحة في الوقت الراهن، وذلك لعدم وضوح الرؤية بشأن السيطرة على وباء كلف العالم ضحايا بشرية واقتصادية في آن معا. وفي هذه المرحلة غير الواضحة، ستبقى الأسهم العالمية عرضة للضغوط الاقتصادية، خصوصا على صعيد ارتفاع مستويات الديون، وزيادة معدلات المخاطر، والعجز الاقتصادي الذي أصاب كل الدول تقريبا.
وهنا لا بد من التركيز على نقطة مهمة وجذابة بوجود اتفاق تام في الأوساط الاقتصادية على أن قطاع التكنولوجيا، سيحتفظ بقوته، وأن عصر تفوق أسهم التكنولوجيا لن ينتهي حتى لو تمت هناك عمليات بيع أسهم القطاع بشكل أكبر بسبب الركود وما شابه ذلك، خصوصا إذا علمنا أن الاقتصاد العالمي دخل بالفعل حالة ركود هي الأعمق منذ 80 عاما على الأقل. إن القلق في أوساط المستثمرين سيبقى، في ظل غياب أي مؤشر يدل على موعد قريب للنمو الاقتصادي. وفي النهاية يمكن القول إن أسواق الأسهم العالمية، نجت بالفعل من الضربة الأولى للأزمة الاقتصادية التي خلفها الوباء العدواني، لكن يظل السؤال الأهم يدور حول ما إذا كان انتعاش سوق الأسهم العالمية مستداما أو أنه مجرد انتعاش مؤقت.

إنشرها