تكيف الاقتصاد والتخلص الأسرع من التشوهات

|
في الوقت الذي تستهدف خلاله الإصلاحات الاقتصادية المتتالية، والتدابير الوقائية تجاه التداعيات الناتجة عن انتشار الجائحة العالمية لفيروس كورونا كوفيد - 19، المحافظة على استقرار الاقتصاد الوطني، وضمان استمرار ملاءة المالية العامة عند مستويات تقييم عالية، والمحافظة أيضا على الاحتياطيات العامة للدولة، وإحكام السيطرة على العجز المالي وزيادة الدين الحكومي العام، يمكن تأكيد أن اتخاذ مثل تلك الإجراءات مجتمعة، من شأنه أيضا أن يؤدي في ظل الأوضاع غير المواتية اقتصاديا، كما يشهده الاقتصاد العالمي اليوم، إلى القضاء على كثير من التشوهات الاقتصادية والتنموية، التي استطاعت الصمود في وجه سياسات الإصلاح خلال مراحل زمنية سابقة، وهو الأمر الذي بتحققه سيسهم في تخفيف أي آثار عكسية في الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء. ولا يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل يمتد إلى أن زوال تلك التشوهات سيفتح كثيرا من الطرق إلى فرص تنموية واقتصادية واستثمارية، طالما وقفت تلك التشوهات الكأداء في طريق الساعين إليها، وهو الأمر المقدر سطوع مؤشراته الإيجابية في منظور الأجلين المتوسط والطويل.
وتضم دائرة تلك التشوهات كما متنوعا ومتعددا، وتتفاوت نسب تأثيراتها السلبية في التنمية والاقتصاد من تشوه إلى آخر، بدءا من تلك التي كانت جاثمة في بيئة الأعمال المحلية من تستر وغش تجاريين، مرورا بكثير من أشكال سيطرة العمالة الوافدة على أهم مفاصل سوق العمل المحلية، وتسببها في بقاء معدل البطالة مرتفعا، وصولا إلى أحد أكبر التشوهات الجاثمة في مختلف أنحاء السوق العقارية، بأشكال متعددة تتمثل في ارتفاع تركز ملكية الأراضي بمساحات شاسعة داخل المدن والمحافظات، والارتفاع الشديد لتعاملات المضاربين على مخططات وقطع الأراضي، وما أدى إليه كل ذلك من زيادة مطردة في وتيرة الأسعار السوقية وتضخمها، الذي أفضى بدوره إلى تشكل وتعاظم مشكلة صعوبة تملك المساكن على كاهل المواطنين، إضافة إلى التغذية المستمرة لوتيرة غلاء الإيجارات السكنية والتجارية والصناعية، وتسببه في ارتفاع تكلفة الإنتاج والتشغيل على كاهل القطاع الإنتاجي من الاقتصاد الوطني، ومن جانب آخر إسهامه في الارتفاع المطرد لتكلفة المعيشة على الأفراد والأسر من مواطنين ومقيمين على حد سواء، وغير ذلك من بقية التشوهات التي لا يتسع المجال المحدود للمقال لحصرها وذكرها كاملة.
يتوقع في ضوء ما سبق ذكره أعلاه، أن تجتمع قوة وتأثير كل من الإصلاحات الاقتصادية المستمرة، والتدابير التي تم اتخاذها أخيرا "من أهمها: إعادة تحديد ضريبة القيمة المضافة الأساسية، وإيقاف بدل غلاء المعيشة"، خلال الفترة الراهنة من عمر الاقتصاد العالمي والمحلي، وما تكتظ به من تحديات نتجت بالدرجة الأولى عن انتشار الجائحة العالمية لفيروس كورونا كوفيد - 19، لتسرع تلك الإصلاحات والتدابير مجتمعة من عمليات القضاء على أغلب تلك التشوهات، التي تسببت إلى حد بعيد في إعاقة النمو والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والتنموي بشكل أوسع، وبزوالها الوشيك قريبا، كما سيشهده الاقتصاد الوطني خلال المراحل الزمنية القريبة المقبلة، يمكن التفاؤل - بمشيئة الله تعالى - بولادة وتنامي كثير من الفرص الواعدة استثماريا، وتخلص قطاع الأعمال المحلي من كثير من أشكال التستر التجاري التي صمدت لعقود طويلة في وجه الأنظمة والرقابة، لترتفع على أثره تنافسية القطاع الخاص، وتتفتح الفرص الوظيفية المجدية أمام الباحثين عنها من المواطنين، بعد أن تحررت من قبضة وسيطرة العمالة الوافدة طوال أعوام طويلة مضت.
كذلك الحال بالنسبة للسوق العقارية المحلية، التي سيبدأ تأثرها الأكبر من صدمة المضاربات المحمومة على الأراضي نتيجة ارتفاع ضريبة القيمة المضافة الأساسية إلى 15 في المائة، التي لعبت خلال الأعوام الماضية دورا كبيرا في الارتفاع المطرد لأسعار الأراضي والعقارات، مستغلة الطلب المرتفع على الإسكان، وارتفاع مستويات السيولة المحلية، وقبل كل ذلك عدم وجود أي تكاليف أو محددات تنظيمية تحد من انتشار المضاربات على أحد أهم مكونات وعوامل التنمية والإنتاج في الاقتصاد الوطني (الأرض)، ووفقا لما سيترتب عليه بعد تطبيق النسبة الجديدة للضريبة، ومن ثم ارتفاع تكلفة المبايعات على المضاربين، ما سيؤدي بدوره إلى تقلص شديد في حجم المضاربات على الأراضي، ومن ثم إضعاف قنوات تغذية تضخم الأسعار السوقية لمختلف الأصول.
ولن يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، ففي المرحلة الراهنة التي ستشهد كثيرا من المتغيرات الأخرى، تعد في مجملها عوامل ضاغطة على الأسعار المتضخمة، بدءا من انكماش الدخل المتاح للإنفاق الاستهلاكي، ومقابلته لارتفاع محتمل قصير الأجل في أسعار السلع والخدمات، ستؤدي في العموم إلى إحداث كثير من التغيير على أنماط الإنفاق الاستهلاكي لدى الأفراد والأسر، للتكيف قدر الإمكان مع المتغيرات المعيشية الجديدة، وما سيتبعه من انكماش متوقع على التدفقات الداخلة على القطاع الخاص، سيترتب عليه كثير من الآثار الاقتصادية والمالية والاجتماعية، لعل من أبرزها الانخفاض في أعداد العمالة الوافدة واضطرارها وأسرها، إن وجدت، إلى مغادرة البلاد، واضطرار عديد من المنشآت إلى إغلاق جزء من فروعها العاملة، في الوقت ذاته الذي تشهد فيه سوق المحال والمعارض والمواقع التجارية فائضا في المعروض منها. كل تلك العوامل ستؤدي بطبيعة الأمر إلى انخفاض العائد الإيجاري سكنيا وتجاريا على حد سواء، وتأثيره السلبي لاحقا في الأثمان المتضخمة للأراضي والعقارات السكنية والتجارية، واستمراره حتى وصوله إلى المستويات العادلة سعريا الملائمة للدخل الثابت للأفراد والأسر.
جوانب عديدة ومهمة قد لا تتمكن الأغلبية من مشاهدتها اليوم، وسرعان ما ستتم مشاهدتها مرحلة بعد مرحلة، ولمسها على أرض الواقع، الذي يختلف تماما عن كثير من التصورات الأولية كما هي عليه الآن. ويؤمل - بحول الله - أن تتقدم تلك التطورات المرتقبة سريعا إلى الواجهة، وأن تترجم في أقرب وقت إلى معطيات ملموسة من الجميع على أرض الواقع.
إنشرها