التنافسية بين عزيمة النجاح وهزيمة الفشل

|

في عصر التنافسية العالمية، لا أعتقد أن هناك إنسانا عاقلا أو مواطنا صالحا يتجرأ على عرقلة عزيمة نجاح حكومتنا في سعيها الدؤوب إلى رفعة شأن مواطنينا ورفاهية مجتمعنا. كما لا أعتقد أن هناك إعلاميا مخضرما أو اقتصاديا صادقا يلجأ إلى ابتداع قصص هزيمة فشل مسيرتنا الاقتصادية والتشكيك في نتائجها المشرفة، متجاهلا تقدم مراتبنا على مؤشرات تقارير المنظمات الدولية المرموقة.
في الأسبوع الماضي، صدر تقرير مركز التنافسية العالمي، الذي يقوم سنويا بتحليل قدرة الدول على إيجاد بيئة داعمة ومحفزة للتنافسية، والمحافظة عليها وتطويرها، حيث يقارن بين 63 دولة، هي الأكثر تنافسية في العالم، على أساس أربعة محاور رئيسة، وهي: الأداء الاقتصادي، والقدرات الحكومية على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، وكفاءة الأعمال، والبنية التحتية.
وأكد التقرير تقدم المملكة بجدارة خلال العام الجاري من المرتبة الـ 26 إلى المرتبة الـ 24 لتعد المملكة الدولة الوحيدة التي أحرزت تقدما استثنائيا على مستوى الشرق الأوسط والخليج العربي، رغم الظروف الاقتصادية الناتجة عن آثار جائحة كورونا. كما حققت المملكة في هذا التقرير المرتبة الثامنة من بين دول مجموعة العشرين، متفوقة بذلك على روسيا، وفرنسا، واليابان، وإيطاليا، والهند، والأرجنتين، وإندونيسيا، والمكسيك، والبرازيل، وتركيا. وفي المؤشرات الرئيسة لمركز التنافسية حققت المملكة عالميا المرتبة الأولى في نمو القوى العاملة، والثانية في مؤشر أسعار المستهلك والأمن السيبراني، والثالثة في نمو صادرات الخدمات التجارية، والعاشرة في مرونة الاقتصاد ومحفزات الاستثمار ودعم الخدمات المصرفية. وتزامن صدور هذا التقرير مع إعلان وزارة الاستثمار نجاحها خلال العام الجاري في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية من خلال إصدار 348 رخصة استثمارية جديدة خلال الربع الأول من عام 2020، وذلك بزيادة بلغت 19 في المائة عن الفترة ذاتها من عام 2019، و20 في المائة عن الربع الأخير من العام الماضي، فيما شهدت حركة النشاط الاستثماري في معظم دول العالم تباطؤا خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب تداعيات وباء كورونا على الاقتصاد العالمي.
واليوم يكشف التقرير الخاص لمؤشر إيدلمان للثقة 2020، الصادر تحت عنوان الثقة ووباء كوفيد - 19، أن الثقة بالحكومة السعودية ارتفعت بمعدل خمس نقاط منذ كانون الثاني (يناير) 2020 لتصل إلى 83 في المائة، ما يجعلها من أكثر الحكومات الموثوقة لاستجابتها السريعة للحد من تأثير الوباء على المواطنين والمقيمين. وركز المؤشر على قياس الثقة بناء على صفتين مميزتين: كفاءة الوفاء بالوعود، والسلوك الأخلاقي لتحسين بيئة المجتمع، حيث سجلت المملكة أعلى درجة في قياس السلوك الأخلاقي مقارنة بجميع دول العالم، في حين حققت المرتبة الثانية بعد دولة الإمارات العربية المتحدة في قياس مستوى كفاءة الوفاء بالوعود.
وفي تقرير ممارسة الأعمال 2020 الصادر من البنك الدولي مطلع العام الجاري، حققت المملكة المركز الأول عالميا بين 190 دولة على مؤشر إصلاحات بيئة الأعمال، وحصلت على المرتبة الـ 62 متقدمة 30 مرتبة عن العام الماضي.
وأشار التقرير إلى التقدم الملحوظ الذي أحرزته المملكة في عدة مؤشرات بدءا بالنشاط التجاري حيث انتقلت المملكة من المرتبة الـ 141 إلى الـ 38، والتجارة عبر الحدود من المرتبة الـ 158 إلى الـ 86، ومؤشر الحصول على الكهرباء من المرتبة الـ 64 إلى الـ 18، ومؤشر الحصول على الائتمان من المرتبة الـ 112 إلى الـ 80، ومؤشر استخراج تراخيص البناء من الـ 36 إلى الـ 28، ومؤشر إنفاذ العقود من المرتبة الـ 59 إلى الـ 51، كذلك في مؤشر تسجيل الملكية من الـ 24 إلى الـ 19. كما حققت المملكة تغيرا ملحوظا بمؤشر حماية أقلية المستثمرين من المرتبة السابعة إلى الثالثة، ومؤشر دفع الضرائب لتنتقل من المرتبة الـ 78 إلى الـ 57.
جهود وزارة التجارة الرامية من خلال مشاركتها في أربع مبادرات كان لها التأثير المباشر لتحقيق هذه المرتبة المتقدمة. وتمثلت هذه المبادرات في إنشاء مركز التنافسية كجهة واحدة مستقلة ومختصة في دعم وتنمية تنافسية البيئة الاستثمارية في المملكة، وإنشاء مراكز الخدمة الشاملة الموحدة "مراس" الذي يهدف إلى تسهيل إجراءات ممارسة الأعمال التجارية في جميع مراحلها، من خلال تقديم الخدمات ذات القيمة المضافة بطريقة متكاملة ويسيرة للمستثمرين المحليين والأجانب. كما جاءت مبادرة إنشاء المركز السعودي للأعمال التجارية، لتقدم مفهوما جديدا كجهة خدمية ورقابية للأعمال التجارية والاستثمارية لجميع الكيانات الاعتبارية في المملكة، إضافة إلى مبادرة تطبيق نظام الإفلاس.
وكان للجنة تيسير الأعمال دور كبير في تحقيق هذا الإنجاز الذي يهدف إلى دراسة التحديات التي تواجه القطاع الخاص وتحليلها واقتراح الحلول والمبادرات لمعالجتها، لتحسين أداء الأعمال وتحفيز هذا القطاع للمشاركة في التنمية الاقتصادية من خلال تحسين وتطوير البيئة التنافسية.
اليوم تنتصر عزيمة النجاح على هزيمة الفشل لتحقق المملكة أهداف رؤيتها الطموحة، وتمارس دورها الفاعل في الاقتصاد العالمي، ليس فقط لمكانتها الفريدة كأحد أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم، بل لكونها صاحبة الاقتصاد الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، والملاذ الآمن للاستثمار داخل أسواقها.
واليوم تفتخر المملكة بنتائج سعيها الحثيث لتفادي الآثار السلبية المحيطة بأسواقنا الوطنية بعد أن بادرت لتطعيم اقتصادنا المحلي ضد عدوى الانكماش المحدقة به، وسارعت إلى مساندة قطاع الأعمال وتسهيل مهامه وضخ السيولة اللازمة لتخفيف معاناته، ليواصل قيادته للنمو الاقتصادي رغم انكماش القطاع النفطي.
وحيث إننا نعيش اليوم أكثر الفترات ديناميكية في تاريخ الاقتصاد العالمي، فإن ترابط اقتصادات عالمنا وانفتاح الأسواق نتيجة تحرير التجارة وشيوع مفاهيم العولمة وثورة المعلومات والاتصالات والامتداد الدولي للتمويل، أسهمت جميعها في تغيير خريطة العالم الاقتصادية بوتيرة متسارعة. لذا جاء تقرير التنافسية العالمية ومعاييره الدولية ليؤكد أن السياسات والإجراءات التي مارستها المملكة ممثلة في وزاراتها وهيئاتها ومؤسساتها تعكس عزيمة نجاح الأداء الحكومي، وتحقق مقولة الشاعر البارودي: "ومن تكن العلياء همة نفسه، فكل الذي يلقاه فيها محبب".

إنشرها