سوق عصية على التحليل

|
في تقرير عن جدوى سوق العمل - تطورات سوق العمل السعودية - تحديات جديدة فرضها فيروس كوفيد – 19، وتجد في الصفحة الأولى جدولين، الأول عن معدل البطالة بين السعوديين، والثاني عن معدل مشاركة القوى العاملة بين السعوديين. الأول مهم كشأن اقتصادي يخضع للتحليل والنقد والتوصيات، وهو لصناع السياسة الاقتصادية، يمتد حتى مساحات أخرى ذات علاقة مثل التعليم، جدول تشترك فيه المملكة مثل أي بلد آخر، لكن الجدول الثاني يقع غالبا خارج دائرة التحليل الاقتصادي، أو حتى سعة الأجهزة العامة على التعامل معه على الأقل تقليديا، جدول خاص بدول قررت علنا أو ضمنا أن يكون حجم الاقتصاد أكبر من القدرات البشرية، وأن يكون الاستهلاك أهم من الاستثمار، وألا تفرق بين الاستقدام والهجرة الاقتصادية، تعبير عن سلسلة إجراءات تمت لتتعامل مع ظروف وتحديات آنية غالبا منطقية واقتصادية في المدى القصير وأحيانا المتوسط، لكنها ناقصة على المدى البعيد، وأحيانا منطقية لصاحب المصلحة، لكنها تواكب المصلحة العامة، الإشكالية أننا وصلنا إلى المدى البعيد بعد 50 عاما من التجربة في التخطيط. تحلل البطالة عادة في مساحات العرض والطلب، بينما المشاركة في مساحات اجتماعية والتسامح مع الهجرة الاقتصادية، "أعرف الهجرة الاقتصادية كما من حيث أعداد الوافدين كنسبة من سوق العمل، وزمنيا في مدى طول إقامة أعداد كبيرة منهم، ونوعيا من حيث سيطرة الوافدين على مهن ومفاصل فنية"، تعريف ليس قانونيا لكن عمليا. الاهتمام بالأرقام عادة يتم في متابعة وتحليل البطالة كما في الجدول الأول، والقليل يهتم بحيثيات الهجرة الاقتصادية كما في الجدول الثاني.
أزمة كورونا ركزت الأذهان على هذه التقاطعات في سوق العمل، هناك عدة نقاط أغلبها يتعامل مع التحليل المعتاد لسوق العمل، لكنها أيضا ذكرت بعض المعلومات عن تراجع الهجرة الاقتصادية، بسبب رفع الرسوم منذ بداية 2018. يقدر التقرير أن نحو 1.2 مليون عامل سيغادرون سوق العمل في هذا العام، قياسا على مغادرة نحو 300 ألف من بداية العام، حتى الآن نحو مليونين منذ بداية 2018، يقابل ذلك صدور أكثر من مليون تأشيرة في 2019 فقط و662 ألف لعام 2018، "لذلك ربما ليس هناك تغير مؤثر في أعداد الوافدين حتى في ظل نمو اقتصادي محدود". يذكر التقرير أيضا أن 35 إلى 65 في المائة من إجمالي العمالة في المملكة عملوا من منازلهم في مختلف درجات المنع من التجول في الربع الثاني من عام 2020. من المفترض أن تكون المعلومة أكثر دقة. أحد إشكاليات التقرير أنه لم يضع مسافة كافية بين الهيكلي والدوري. الأقرب أن هناك تغيرا في ترتيبات سوق العمل دون تغير في دوره الاقتصادي، فمثلا ارتفع الاستقدام للشركات الصغيرة والمتوسطة ربما على حساب الشركات الكبيرة. التجربة والمحاذير تقولان، إن التستر أعلى في الشركات الصغيرة والمتوسطة. التجاذب بين سوق عمل المواطنين وسوق عمل الوافدين تجاذب خادع، لأن سوق العمل لا بد من أن تكون موحدة، لكنه واقع يجبر المراقب على مفاضلة أخرى خادعة بين النمو الاقتصادي أو حجم الاقتصاد والإنتاجية، لذلك تجد كثيرا من النقاشات غير مثمر. تفكيك العلاقة بين سوق عمل الوافدين وسوق عمل المواطنين خطوة أولى، في إعادة تأطير النقاش حول الفصل بين الاستحقاق الاقتصادي العميق والهجرة الاقتصادية بما في ذلك العلاقات مع بعض الدول الأخرى.
لحسن الحظ أن هناك تحسنا في نسبة المشاركة، غالبا بسبب الرسوم لكن ربما أيضا بسبب الاهتمام بالقطاعات الخدمية الجديدة مثل الترفيه والسياحة، لكن استمرار سوق العمل بهذه التركيبة يؤثر استراتيجيا في التطور البشري، وبالتالي فرص النمو الحقيقية من خلال التأثير المباشر في الإنتاجية وقياسها، والتحويلات المالية والعلاقة بين التعليم والاقتصاد حتى دراسات سوق العمل، تصبح أحيانا سطحية لأنها سريعا تصدم بهذه الانقسامات دون إجماع أو حسم. الأزمة الحالية فرصة تاريخية لإعادة هيكلة سوق العمل. ليس هناك حاجة إلى تغييرات تهز الاقتصاد الوطني، لكن لا بد من خطوات حثيثة تقريبية متواصلة تؤدي تكامليا لتغيير اقتصادات سوق العمل. بعض تحديات سوق العمل اقتصادية بالمعنى المحدود للكلمة، ولذلك تسمح بتوظيف الأرقام والإحصاءات، لكن هناك تحديات أخرى أكثر دورا بشريا تتطلب تقدير المرحلة وحسابات الحوافز المجتمعية والخيارات الوطنية العامة. الخلط بينهما يقوض القدرات التحليلية. أول خطوات الحل تكوين إجماع يستهدف التوازن الأمثل بين الفاعلية والعدالة بين القطاعين العام والخاص، والوسط التحليلي المعرفي يختصر في صفحتين لا أكثر يصف الحالة ويربط بينها وبين مستهدفات "الرؤية" والمنطق الاقتصادي والحالة الاجتماعية.
إنشرها