اندماجات استراتيجية لكيانات قوية

|
تطور الاقتصاد السعودي في الأعوام الأربعة الأخيرة بشكل لم يسبق له مثيل، حيث كان لخطط التحول الوطني، ورؤية المملكة 2030، أثر بالغ في التحولات العميقة التي شهدها، ولا يزال الاقتصاد السعودي يشهدها.
هذه التحولات التي بدأت مع قيام وزارة المالية بخطط الخروج من جهة المورد المالي الوحيد المستند إلى الإيرادات النفطية، الذي كان قد تسبب في تذبذب الخطط المالية. لذا، عملت المالية السعودية على تطوير أدوات جديدة تمكنها من دعم المصروفات في أوقات التراجع، والاستمرار في تنفيذ مشاريع التنمية، وذلك من خلال إصدار السندات والصكوك، وفي الوقت نفسه إيجاد استقرار شامل في التدفقات النقدية لمنح الائتمان ثقة بما يمكن الجهات الممولة من الاطمئنان بشأن خدمة الدين، وهذا بلا شك منح التصنيف السعودي قوة، ومكنه أيضا من تحقيق نجاح كبير في كل طرح جديد من السندات والصكوك.
وبالتالي، شهدنا تنافسا كبيرا بين المصارف الممولة، وتنافسا كبيرا في الفوز بالسندات في السوق الثانوية، هذا من جانب، ومن جانب آخر فيما يتعلق بالخطط الاقتصادية بشأن المشاريع الكبرى، سواء في مجالات الطاقة، والتوسع الكبير في خطط الشركات العملاقة، ومن بينها "أرامكو"، التي حققت نجاحا في صفقة شراء "سابك"، ومولت تلك الصفقة من خلال إصدار كبير من السندات.
هذا الاتجاه سيكون سيد المشهد الاقتصادي في العقد المقبل، ويتطلب نموا مماثلا في القطاع المصرفي، لمواجهة هذه المرحلة الاقتصادية. لذا، فإنه من الطبيعي جدا أن نجد نيات معلنة من البنك الأهلي التجاري ومجموعة سامبا المالية وتوقيع اتفاقية إطارية لبدء الدراسات اللازمة لصفقة اندماج محتملة، ما سينتج أكبر مصرف سعودي في جميع المؤشرات، مشكلا نحو ثلث القطاع كاملا.
هذه الاتفاقية تسير جنبا إلى جنب مع الاقتصاد السعودي، الذي يشهد تحولات كبرى، ويحتاج في الوقت نفسه إلى بنوك عملاقة تحقق التوقعات الاقتصادية نفسها لشركات عملاقة.
فالمشهد الاقتصادي الحالي يشير إلى أن استراتيجيات التوسع الرأسي الذي قامت به "أرامكو"، ومن المتوقع أن تقوم به شركات أخرى قريبا، حيث يتم التوسع الاستراتيجي إلى أعلى من خلال السيطرة على الموردين أو التمدد إلى منافذ التوزيع للسيطرة عليها. وفي جانب الشركات التي تسند هذه التوجهات الصناعية، سنشهد اندماجات أفقية من أجل إيجاد كيانات اقتصادية ضخمة وتوحيد القرار والأصول وتخفيف إجراءات جمع الأموال اللازمة وتخفيف تكلفة هذه الأموال.
والاندماج المحتمل بين البنك الأهلي التجاري ومجموعة سامبا، من نوع الاندماج الأفقي، لتخفيض تكلفة الخدمات، وتحقيق فوائض أكبر للمساهمين، والاستفادة من الفرص الكبرى التي بدأ الاقتصاد السعودي يوفرها في سوق الدين العام، أو الصكوك والسندات التي تصدرها الشركات.
كما أن اتجاه الاقتصاد السعودي إلى الانفتاح أمام الشركات الأجنبية، وفي ظل الفرص الضخمة المتوافرة، التي تحتاج إلى شركات عملاقة ذات قدرة على اتخاذ القرار بسرعة، فإن الاندماج بين البنكين خيار استراتيجي مناسب للاقتصاد السعودي، ذلك أن أصول البنكين معا بلغت بنهاية الربع الأول من العام الجاري نحو 802.1 مليار ريال، تشكل 31.8 في المائة من أصول القطاع البالغة 2.52 تريليون ريال.
وبلغ إجمالي قروضهما بنهاية الربع الأول نحو 453 مليار ريال، يعادل 28.8 في المائة من قروض القطاع البالغة 1.57 تريليون ريال، بينما ودائعهما 553 مليار ريال، تشكل 30.3 في المائة من ودائع القطاع البالغة 1.83 تريليون ريال.
ولا غرابة في هذه المسارات التي بدأ الاقتصاد السعودي في الاتجاه إليها، من خلال إنتاج شركات عملاقة ومؤسسات مالية كبرى تنافس كبرى المؤسسات المالية في العالم، إذا ما علمنا أن خلف هندسة هذه التوجهات الاستراتيجية كلها، صندوق الاستثمارات العامة، الذي يقف على قمة هرمه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، عراب الرؤية السعودية. فصندوق الاستثمارات العامة يملك 44.29 في المائة في البنك الأهلي و22.91 في المائة في "سامبا".
فالصفقة المحتملة ستحقق لحملة أسهم مجموعة سامبا المالية تقييما ما بين 54.8 مليار ريال "14.6 مليار دولار" و58.6 مليار ريال "15.6 مليار دولار"، حيث يراوح السعر المعروض بين 27.42 و29.32 ريال، وذلك يمثل زيادة في سعر سهم مجموعة سامبا المالية تراوح ما بين 19.2 و27.5 في المائة مقارنة بسعر إغلاق سهم مجموعة سامبا المالية في "تداول" كما في تاريخ 24 حزيران (يونيو) 2020. وسيحصل مساهمو مجموعة سامبا المالية على ما بين 1.441 و1.540 مليون سهم جديد تقريبا في البنك الأهلي، وذلك على أساس نسبة بين 0.736 و0.787 سهم جديد في البنك الأهلي مقابل كل سهم يملكونه في مجموعة سامبا المالية، ويشار إلى هذا النطاق فيما بعد بـ"نطاق معامل المبادلة".
ومن الجدير بالذكر أن مجموعة سامبا تشكلت من خلال اندماجات سابقة بين عدد من البنوك السعودية في فترة كان الاقتصاد السعودي يحقق قفزات ونقلات نوعية في جانب تخصيص قطاع الاتصالات ونشأة السوق المالية السعودية، وأسهمت تلك الخطوات في حينها في تحقيق دعم قوي للاقتصاد السعودي، ومن المتوقع أن تحقق هذه الاندماجات نجاحات أخرى غير مسبوقة، لأن لجوء المصارف إلى الاندماج يولد كيانات مصرفية قادرة على التنوع في مصادر الودائع والاستيفاء الكامل للمعايير الدولية في الملاءة المالية، ويزيد القدرة التنافسية، ويقدم عديدا من الخدمات التمويلية.
إنشرها