FINANCIAL TIMES

خصوم أردوغان يفوزون عليه في معركة كسب القلوب

أكرم إمام أوغلو، عمدة إسطنبول (بالنظارة) ومنصور يافاس، عمدة أنقرة.

اعتقد بيرول سوزر أنه كان هدفا لمقلب عندما جاء رجلان إلى متجر البقالة الذي يملكه وقالا إنهما يريدان سداد بعض ديون عملائه.
لكن العرض كان جادا. كان الرجلان يشاركان في حملة أطلقها قبل شهرين رئيس بلدية العاصمة التركية، بهدف تخفيف معاناة فقراء المدينة الناشئة عن أزمة فيروس كورونا. قال سوزر: "اتصلنا بالعملاء من متجري وشرحنا الموقف. حتى هم لم يستطيعوا أن يصدقوا ذلك أيضا".
تساعد هذه المبادرة التي أطلق عليها اسم "اللطف معدي" على تفسير سبب ازدياد شعبية العمدة، منصور يافاس، بعد مرور ما يزيد قليلا عن عام من انتزاعه السيطرة على المدينة من الحزب الحاكم الذي يقوده رجب طيب أردوغان. إلى جانب رؤساء البلديات الآخرين من حزب الشعب الجمهوري المعارض، يسعى يافاس إلى إظهار أنه قادر على منافسة سجل أردوغان في تقديم الخدمات ودعم الرعاية الاجتماعية – وهو أسلوب رئيس استخدمه الحزب الحاكم لكسب الدعم السياسي.
قالت سيرين سيلفين كوركماز، المديرة التنفيذية لمركز إيستانبول IstanPol للأبحاث، الذي يوجد مقره في إسطنبول: "إن جهودهم على المستوى المحلي تشكل تحديا للرسالة الأساسية للحزب الحاكم - وهي أن حزب الشعب الجمهوري لا يمكنه أن يحكم". أضافت: "إذا نجحت الحكومة المحلية لحزب الشعب الجمهوري، فهذا يمثل خطرا كبيرا على أردوغان".
شهدت تركيا زلزالا سياسيا في ربيع العام الماضي عندما صوتت أهم المدن في البلاد لصالح المعارضة - بعد 25 عاما من حكم حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أردوغان - عقابا للحزب الحاكم على الانكماش الاقتصادي.
بعد عام واحد، ينافس رؤساء البلديات المعارضون الرئيس التركي في شعبيتهم. في حين شهد أردوغان ارتداد شعبيته في الأشهر الأولى من الجائحة، كذلك ازدادت شعبية كل من يافاس، عمدة أنقرة وأكرم إمام أوغلو، عمدة بلدية إسطنبول، وهو أحد أشهر المعارضين، وفقا لاستطلاعات أجرتها وكالة متروبول لاستطلاعات الرأي.
برز يافاس على وجه الخصوص نجما غير متوقع بين مجموعة المعارضين الجدد. حينما طلبت شركة بولستر إيريا ريسيريش تقييم معدل استجابة بلدية أنقرة لأزمة فيروس كورونا، أجاب 65 في المائة من المشاركين - بمن فيهم نصف الناخبين المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية - بأن الاستجابة كانت ناجحة.
في غضون أسابيع من تفشي فيروس كورونا ووصوله إلى تركيا، أعلن عمدة أنقرة عن خطط لدعم عمال النظافة، وسائقي سيارات الأجرة، ومصففي الشعر، وغيرهم ممن حرموا فجأة من الدخل. يتوقع "جولدمان ساكس" أن يتسبب الوباء في انكماش الاقتصاد التركي 5 في المائة في عام 2020.
سعى يافاس للحصول على تبرعات عامة عبر الإنترنت ودعا المحتاجين لتقديم طلب إلى البلدية للحصول على المساعدة. أعلن أردوغان أن هذه الحملة والمبادرات المماثلة في المدن التي تسيطر عليها المعارضة غير قانونية، وجمد الأموال، وبدأ في حملة جمع التبرعات الوطنية الخاصة به.
ردا على ذلك، بدأت بلدية العاصمة حملة متاجر البقالة الخاصة بها. تجاوزت المبادرة الحظر الحكومي، من خلال دعوة سكان أنقرة لزيارة المحال التجارية في جميع أنحاء المدينة وتقديم عرض سداد الفواتير المستحقة للعملاء المعسرين. في حالة سوزر، فإن تبرع اثنين من فاعلي الخير بمبلغ ألفي ليرة تركية (292 دولارا) أدى إلى سداد ديون ثلاث عائلات محلية.
كذلك أنشأ يافاس نظاما عبر الإنترنت يمكن المتبرعين من دفع فواتير الخدمات (الكهرباء والماء)، وشراء تذاكر الحافلات، وحتى تحويل الأموال إلى الذين يكافحون، حيث تعمل البلدية وسيطا.
بلغ مجموع الأموال التي جمعتها المبادرة التي انتهت الأسبوع الماضي، 28 مليون ليرة تركية - لا تشمل حملة متاجر البقالة أو مبلغ 3.5 مليون ليرة من التبرعات المجمدة.
قال مصطفى أنسال، مدير خدمات الدعم في بلدية أنقرة: "لامست المبادرة شعور المواطنين بالرغبة في المساعدة. إنهم يثقون برئيس بلديتنا. ويقول أشخاص مثل علماء الاجتماع إن ذلك كان أيضا رد فعل على جهود الحكومة المركزية لمنع بعض التبرعات".
لم يكن حظر جمع الأموال أول عقبة أمام يافاس منذ توليه منصبه في نيسان (أبريل) 2019. فقد تولى رئاسة بلدية غارقة في الديون. كما أعاق مجلس المدينة، الذي يسيطر عليه حزب أردوغان، بعض مقترحاته. وحاولت وسائل الإعلام الموالية للحكومة تشويه سمعته بادعاءات متعلقة بالفساد.
لكن مثل هذه الاتهامات فشلت في التأثير في شعبيته في مدينة يبلغ عدد سكانها 5.5 مليون نسمة. وبدلا من ذلك، ساعده سلوكه غير الحزبي في استمالة المشككين.
في حين أن إمام أوغلو، عمدة إسطنبول، يهاجم حكومة أردوغان بشكل متكرر، اختار يافاس - الذي رفض طلب إجراء مقابلة – أن يكون أقل ظهورا.
قال أوزغور أنلوهيسارسيكلي، رئيس مكتب أنقرة لصندوق مارشال الألماني، وهو مركز أبحاث: "يبدو أن يافاس رجل دولة أكثر من كونه سياسيا. فهو، بهذا السلوك، يحظى باحترام كبير في أنقرة".
كما تبنى سياسة تتسم بالشفافية الفائقة لإصلاح سمعة البلدية التي اشتهرت بالفساد. يتم بث المناقصات مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي. سحب القرعة لتحديد مواقع البيع في الشوارع لبائعي حلقات خبز السمسم هذا العام، اجتذبت أكثر من 44 ألف مشاهدة على منصة البث المباشر "بيريسكوب".
حفزت نجاحات يافاس المبكرة جدلا داخل حزب الشعب الجمهوري حول ما إذا كان الرجل البالغ من العمر 65 عاما قد يتحدى يوما ما الرئيس التركي في انتخابات وطنية. يعتقد معظم المحللين أن ذلك سيكون صعبا، ولا سيما أن الأقلية الكردية الحاسمة تجد صعوبة في التصويت لقومي تركي.
أردوغان يسيطر على السياسة الوطنية منذ نحو 18 عاما، لكن رؤساء البلديات المعارضين، مثل يافاس، يشكلون مصدر إزعاج جديد للرئيس، بحسب ما يقول محللون.
سوزر الذي يقع متجره في حي كيسيورين الشعبي في أنقرة، مؤيد لتحالف أردوغان الحاكم وسعيد بعمدة المعارضة. وقال إن عملاءه هم في الغالب من أنصار حزب العدالة والتنمية، لكن "الناس في هذا الحي سعداء بشكل عام بمنصور يافاس".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES