شركات الاستقدام واستغلال الأزمة

|
لم تبق أزمة إلا استغلتها شركات الاستقدام، ويبدو دائما أن هذه الشركات خارج عين الرقيب، فهي تصنع الألم للمواطنين الذين في حاجة إلى العمالة المنزلية، وكذلك العمال أنفسهم. تعمل من خلال تجفيف السوق، على رفع أسعار الخدمة، وهذا بخلاف تقصيرها الشديد جدا في السعودة، وفي كل ما يهم الشأن العام، فكون أصحاب هذه الشركات ثروات طائلة من جيب المواطن، ولا أحد يطالبهم بحقه إلا يجد إلحافا، وما من مواطن إلا انكوى بنار الجشع والغش، وإن تعجب فعجب جدا أنهم مجرد وسطاء بين طالب الخدمة ومقدمها. فسوق العمل يجب أن تكون متاحة لكل من يرغب من الطرفين، لكن لظروف عدم توافر عرض عمال المنازل في المملكة، بينما هناك عرض لهذه الخدمات في بلاد أخرى، ولأن الأمر يتطلب بعض الإجراءات، رضي طالبو هذه الخدمات بوسيط، لكن من غير المعقول أو المقبول أن تكون فاتورة الوساطة أكبر من فاتورة العمل نفسها، وهناك من استغل الفراغات بين البائع والمشتري، فتحول بذلك إلى شيء أجهل كنهه الاقتصادي، وما له عندي تعريف غير الاستغلال الفاحش للحاجة الإنسانية، سواء كانت حاجة إلى العمل أو حاجة إلى الخدمة.
جميعا نعرف تاريخ نشأة مكاتب الاستقدام وكيف تحولت إلى تجارة بذاتها، ومنهم من بات يسافر إلى السياحة ويقدم خدمات الوساطة حتى عمت الفوضى وكثرت الشكاوى من الطرفين، العمال وأصحاب العمل، فالعامل يشتكي من ضعف الأجر أو عدم الحصول على الراتب أو التأمين الصحي، وفي المقابل يشتكي صاحب العمل من كثرة الهروب وأن هناك عصابات تستقبل العمال في الداخل لتتجنب تكاليف السفر والتأشيرات، ثم ازدهرت سوق بيع الكفالة، وبعدها حاولت وزارة العمل حينها أن تعالج المشكلات من خلال إنشاء شركات الاستقدام التي منحت حقا واسعا في أن تقدم خدمة المساعدة المنزلية أو الرعاية أو خدمة السائق الخاص، حيث تستقدم الراغبين في العمل من جميع المعمورة ثم تقوم بالاتفاق مع العامل على أجر شهري، سواء عمل أو لم يعمل، وتتفق مع طالبي هذه الخدمات بسعر يومي أو بسعر الساعة، وهنا اختلف الوصف الاقتصادي لهذه الشركات، فليست كلها تعد شركات استقدام بهذا المعنى، وليست أيضا مقدمة للخدمات، فبعضها يشبه شركات النظافة، حيث تقدم خدمات النظافة المنزلية أو المكتبية، وهذه الشركات خارج سياق هذا المقال، لكني هنا أتحدث عن الشركات التي تسمح للعامل أو العاملة بالعيش مع الأسرة وفي المنزل نفسه وبعقد يصل إلى أشهر عدة. هذه الحالة غامضة جدا، كما أشرت، فالشركات تعمل على شكل منصة كوسيط، وهي منصة لتلقي طلبات الخدمة أو المساعدة المنزلية، وحقيقة هذه الحالة أنها علاقة تعاقدية بين العمل ورب المنزل، لذا فإننا نعود إلى حالة الوسيط نفسه، فكيف يمكن تصور أن الوسيط يأخذ أكثر بكثير من قيمة العمل، وكيف يمكن تفسير هذه الفوائض اقتصاديا؟ فبعد أن كان استقدام العمال يصل إلى ثمانية آلاف ريال ويتحمل المواطن تكلفة السكن والطعام والعلاج، أصبحت الآن تكلفة الاستقدام 20 ألفا، ويدفع شهريا مبالغ تصل إلى أربعة آلاف ريال ويتحمل تكلفة السكن والطعام، وبينما يحصل العامل أو العاملة على 1200 ريال فقط، تحصل شركة الاستقدام على فوائض شهرية ضخمة تتجاوز ثلاثة آلاف ريال في بعض الأحيان، دون سبب واضح. نريد اليوم من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، أن تقدم لنا تفسيرا اقتصاديا واضحا عن هذه الأسعار والعلاقات الاقتصادية غير المفهومة والواضحة، وقد وصلت أسعار الخدمات إلى 4500 ريال شهريا، بينما قسط شراء بيت في مدينة الرياض قد يكون أقل من ذلك، وبأي حق تحصل هذه الشركات على هذه المبالغ الضخمة، بينما لا تقدم في مقابلها أي حق؟
أضع هذا السؤال أمام وزير الموارد البشرية، حيث تمادت هذه الشركات خلال أزمة كورونا وتوقف الطيران، ورفعت الأسعار بشكل يشبه الهوس، وصلت إلى شكاوى كثير من الناس من هذا الموضوع، يطالبون بمناقشته، فكيف يستطيع مواطن متقاعد مبتور القدم الحصول على مثل هذه الخدمات المساعدة المنزلية إذا كان مضطرا لدفع راتبه التقاعدي كاملا لهذه الشركات الجشعة؟ ولو أن العمال هم الذين رفعوا الأسعار لقلت عرضا وطلبا، لكن أن ترفعه شركات الأصل فيها أنها وساطة بين الطرفين، فإن هذا جشع واستغلال للموقف النظامي الذي منحها هذه السطوة على أموال الناس، فلا الندرة الاقتصادية تفسر زيادة الأسعار، حيث لم يرتفع أجر العامل أو العاملة لكن زاد الاستغلال.
إنشرها