ثقافة وفنون

«وساوس» .. تشويق وغابة من التساؤلات

تصدر المسلسل السعودي "وساوس" حديث المجالس والأوساط الفنية خلال الأيام الماضية، كونه أول مسلسل درامي تشويقي سعودي يعرض على منصة "نتفليكس" العالمية، ويجسد قصة درامية، يترقبها ملايين المشتركين في المنصة، التي تتيح المسلسل مترجما إلى نحو 30 لغة، ووصف صوتي عربي للمكفوفين.
على عاتق "وساوس" مسؤولية كبيرة، كونه المسلسل العربي الثالث الذي يعرض على المنصة العالمية، بعد مسلسل "جن" الأردني الذي لقي انتقادات حادة، ومسلسل "دولار" اللبناني الذي لم يحظ بمشاهدة واسعة. فهل ينجح الرهان على "وساوس"؟
وفاة تثير الشكوك
بالجملة الترويجية "الكل عنده سر يخبيه" انطلق مسلسل "وساوس"، المكون من ثماني حلقات، لا تزيد الواحدة على 45 دقيقة، الذي طرح للجمهور في 11 من يونيو، ويحمل في طياته تفاصيل ثرية، ودراما تسيطر على الشخصيات، ولا سيما النسائية، التي تشكل الجانب الأكبر من العمل، لتشكل قصة متعددة الرواة.
وتدور أحداثه حول عائلة تواجه شكوكا تحيط بوفاة كبير العائلة "حسان" في حادث سير، الذي يعود ماضيه الغامض إلى الظهور قبل أيام من الموعد المنتظر لإطلاق التطبيق الذكي الجديد لشركته، في حبكة درامية للأحداث تحمل في طياتها عديدا من المشكلات الاجتماعية، مثل الخلافات الأسرية وصراع البقاء في عالم الأعمال، التي يعتريها الغموض من كل جانب.
وتحاول "أمل" زوجة حسان فك لغز موته، فهو رجل أعمال تزوج ممن أحب، وربى ابنتها من زوج سابق، إلى جانب ابنته، لكن حسان كانت له وجهة نظر جعلته يقطع علاقته بشقيقته، التي أدت دورها الفنانة إلهام علي.
ومنذ البداية، تبدأ مواقف وأحداث مثيرة في الظهور، مثل الاتصالات الغامضة والمتكررة التي ترد إلى جوال أمل، من هاتف زوجها المتوفى، أو تحريك إحدى قطع الأثاث دون وجود أحد في الغرفة لتحريكها، وفي كل حلقة نرى الأحداث من منظور إحدى شخصيات المسلسل.
العمل من إخراج وسيناريو وحوار هناء العمير، صاحبة التجربة الثرية في عالم الأفلام، التي توجت بعدد من الجوائز، مثل فيلم "هدف" الذي حصد جائزة النخلة الفضية في مهرجان أفلام السعودية في عام 2008، ومجموعة أفلام متتالية مثل الفيلم الوثائقي "بعيدا عن الكلام"، وفيلم "شكوى"، الذي حصد جائزة النخلة الذهبية في مهرجان أفلام السعودية لعام 2015.
وخلال العام الماضي، أطلقت فيلمها القصير "أغنية البجعة"، قبل أن تكشف عن مسلسلها "وساوس"، الذي صور قبل عام في جنوب إفريقيا.
وعودة إلى "وساوس"، فهو قصة وفكرة رولان حسن، وبطولة عبدالمحسن النمر، شيماء الفضل، ميسون الرويلي، إلهام علي، ندى توحيد، نور العنبر، وليلى عربي.
أداء مسرحي
في قراءة لأحداث "وساوس"، لا بد من أن يلتفت المشاهد إلى جمالية الصورة والإخراج، أما أداء الممثلين، فنال الفنان عبدالمحسن النمر درجة الأستاذية في أدائه، مستندا إلى رصيد ثمين من الأعمال الدرامية في عالم الفن، أكسبته الخبرة اللازمة لخوض مغامرة جديدة، وخلال العام الأخير من مشواره الفني، لفت الأنظار بأدواره الخارجة عن المألوف، وبدا ذلك من خلال دور الحاخام اليهودي داود في مسلسل "أم هارون"، ودوره في العمل البدوي "حارس الجبل"، اللذين عرضا على القنوات التلفزيونية خلال شهر رمضان المبارك.
أما العنصر النسائي، فيمكن وصف تقمصهن للشخصيات بأنه أداء مسرحي أكثر من أن يكون انعكاسا لما تمثله الشخصية، ولا سيما شيماء الفضل، فلم يكن دورها مقنعا كزوجة فجعت بوفاة زوجها، وكذلك لهجتها، التي كانت مختلفة بشكل بائن عن بقية أفراد الأسرة.
فيما برزت الفنانة إلهام علي في دورها كشخصية تبدو شريرة، وهي نجمة سعودية واعدة لمع نجمها بشكل فريد خلال العامين الأخيرين، خصوصا في السباق الرمضاني الأخير، حينما لعبت أدوارا أساسية في مسلسل (مخرج 7) أمام النجم ناصر القصبي، ووقفت أمام نجوم الخليج كسيدة الشاشة الخليجية حياة الفهد والفنان أحمد الجسمي في مسلسل "أم هارون".
ويحسب لـ "وساوس" تسجيله كأول مسلسل يحظى بممثلات على حساب الريادة الذكورية، التي اعتاد المشاهد عليها في الدراما السعودية، فيما برزت براعة تصوير التفاصيل من خلال سيدات العمل، فكل سيدة كانت فريدة بتفاصيل الشعر، الزي، الذوق في الأزياء والكاريزما وغيرها، التي تعبر عن مملكة مترامية الأطراف، ونساء المجتمع اللاتي تختلف اهتماماتهن وأذواقهن، وإن كن تحت سقف واحد.
نهاية مفتوحة
النهايات المفتوحة عادة ما تثير شهية المخرج، فيحرص على أن تكون نهاية عمله مفتوحة ليفتح باب الاستنتاج للمشاهد، وانتظار إذا ما كان نجاح العمل يمكن البناء عليه لإنتاج جزء ثان، لكن المسلسل انتهى دون أن يجيب عن كثير من التساؤلات، ولم يترك كثيرا من المعطيات والخيوط التي قد يبني عليها المشاهد ليخرج بنتيجة أو تفسير، أو إجابة للتساؤل الأساسي حول وفاة بطل "وساوس".
مما يحسب للعمل، عدم اعتماده على الأفكار التقليدية التي تشبعت منها الدراما الخليجية، وتسليطه الضوء على فكرة واحدة، لكن الحوار كان أضعف عناصر العمل، خصوصا بعد إضافة عدد من الأحداث غير المبررة، وتجاهل الإجابة عن التساؤلات الضرورية، وتجلى ذلك في دخول شخصية إرهابي إلى العمل، تمكن من تغيير اسمه، دون مبرر، ودخل حياة سيدات العمل، ليضاف إلى قائمة التساؤلات التي خرج بها المشاهد من "وساوس" دون إجابة.
في "وساوس" يسلط الضوء على أسرار كل شخصية وتراكماتها، وكيف أثر ذلك في علاقة كل فرد بأفراد عائلته، لكنه في بعض الأحيان غفل عن تقديم تفسير لبعض الأحداث، مثل "وعد" التي فقدت حاسة النطق إثر مشكلة نفسية غير واضحة للمشاهد، أو فتح الأم أمل وابنتها وعد حاسوب المتوفى، بعد أن فشلتا مرتين ونجحتا في الثالثة، دون أن تقدم لنا أحداث المسلسل أي تفسير عن طريقة فتح الحاسوب، وكيف استنتجت الاثنتان كلمة السر لرجل يفترض أنه غامض.
ورغم اسم العمل ذي المدلول الخادع، الذي قد يؤدي بفكر المشاهد إلى عالم ما وراء الطبيعة، والجن، وعالم الخوف والرعب، إلا أن العمل كان نقطة انطلاق مبشرة، خدمته شهرة منصة البث وعالميتها، وتفوقه إخراجيا وتصويريا، فأصبح تجربة يمكن البناء عليها للخروج بأعمال درامية ذات طابع عالمي، وبحبكة غير مألوفة محليا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون