لا يزال الوقت مبكرا لتعافي الأسواق بالكامل

|
على الرغم من وجود جوانب سلبية مثيرة للقلق تتعلق بالمخاوف حول حدوث موجة ثانية من جائحة كورونا، يبدو أن ثمة إعادة توازن للعرض والطلب تلوح في الأفق. لكن الاستهلاك لم يتسارع حسب المأمول. في هذا الجانب، حذر أحدث تقرير شهري لوكالة الطاقة الدولية، من أن الطلب العالمي على النفط قد لا يتعافى إلى مستويات ما قبل الجائحة حتى عام 2022 على أقرب تقدير.
مع ذلك انخفض فائض النفط الخام بشكل أسرع مما كان متوقعا، وذلك بسبب الانخفاض الحاد في العرض وانتعاش سريع في الطلب في بعض أنحاء العالم بعد انخفاض قياسي في الاستهلاك. حيث تشير أرقام الوكالة إلى انخفاض إمدادات النفط العالمية بمقدار 12 مليون برميل يوميا في شهر أيار (مايو)، على أساس سنوي بسبب خفض الإنتاج من قبل تحالف "أوبك+" بمقدار 9.4 مليون برميل في اليوم إلى جانب تخفيضات حادة من خارج التحالف بسبب تكاليف الإنتاج العالية.
على جانب الطلب، قالت الوكالة إن خروج الصين من إجراءات الإغلاق شهد عودة الطلب الصيني في نيسان (أبريل) إلى مستوياته الطبيعية تقريبا. ومن المرجح أن يؤدي تخفيف مزيد من بروتوكولات الإغلاق في مناطق أخرى حول العالم إلى انتعاش الطلب في النصف الثاني من عام 2020، لكن تفشي العدوى من جديد في بكين دفع الحكومة إلى الاستجابة لتشهد بذلك المدارس والملاعب الرياضية ومراكز التسوق والمحال التجارية الكبرى جولة جديدة من تدابير المراقبة والغلق. ما يسلط الضوء على أن خطر الوباء لا يزال قائما. من غير الواضح بعد، ما هي تداعيات جولة الإغلاق الجديدة على الاقتصاد والطلب الصيني؟.
عالميا، تتوقع الوكالة انخفاض الطلب على النفط بنحو 8.1 مليون برميل في اليوم عام 2020 على أساس متوسط سنوي، وهو أكبر انخفاض سنوي تم تسجيله على الإطلاق حتى الآن. وفي العام المقبل، تتوقع الوكالة ارتفاع الطلب بمقدار 5.7 مليون برميل في اليوم إلى 97.4 مليون برميل في اليوم، وهي زيادة كبيرة، لكن الطلب سيبقى دون مستويات 2019 بنحو 2.4 مليون برميل في اليوم. في الوقت نفسه حذرت الوكالة من عدم اليقين الكبير لجميع هذه التوقعات. تجدر الإشارة هنا إلى أن توقعات الوكالة هذه هي للفترة حتى عام 2021 فقط، ما يعني أن الأمر قد يستغرق عاما آخر على أقل تقدير حتى يتعافى الطلب تماما، هذا إذا حدث ذلك. فالتحسن الذي رفع أسعار خام غرب تكساس الوسيط لفترة قصيرة إلى أعلى من 40 دولارا للبرميل في الأسبوع الأول من هذا الشهر تلاشى مع حلول واقع التعايش الجديد مع جائحة كورونا محل التفاؤل بالخروج الكامل من حالة الإغلاق.
من ناحية أخرى، شهد قطاع النقل البري انتعاشا إلى حد ما على شكل حرف V، ليس فقط بسبب تخفيف عمليات الإغلاق لكن أيضا لأن مزيدا من الأشخاص يلجأون إلى استخدام السيارات الخاصة بدلا من النقل الجماعي، خوفا من العدوى. وفي الوقت نفسه، يتركز معظم تراجع الطلب المستمر لحد الآن في قطاع الطيران، الذي يواجه أزمة وجودية، بحسب وكالة الطاقة الدولية. في قطاع الطيران، لا يوجد مؤشر إلى عودة سريعة للطلب إلى مستواه السابق الذي شهد أكبر انهيار مع إغلاق الحدود ووقف رحلات نقل المسافرين. ووفقا لبعض بيانات اتحاد النقل الجوي الدولي، من المتوقع أن تنخفض حركة الركاب هذا العام بنسبة 55 في المائة مقارنة بعام 2019.
على جانب العرض، لا تزال هناك تداعيات كبيرة. حيث قالت الوكالة، إنه من المتوقع أن ينخفض الإنتاج العالمي بمقدار 7.2 مليون برميل في اليوم هذا العام، ويرتفع فقط بمقدار 1.8 مليون برميل في اليوم في العام المقبل. ذلك لأن 40 دولارا للبرميل ليست مرتفعة بما يكفي لدعم انتعاش إنتاج النفط الصخري الأمريكي ومصادر النفط الأخرى عالية التكلفة. يمكن ملاحظة ذلك من استمرار انخفاض عدد منصات الحفر العاملة في الولايات المتحدة، حيث انخفض إلى أقل من 200 في الأسبوع قبل الماضي، وهو مستوى قياسي. وهذا ما حدا بإدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى خفض توقعاتها لإنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة لتموز (يوليو) بأكثر من 90 ألف برميل في اليوم.
يختلف المحللون حول ما سيحدث في الأسواق عام 2021 وما بعده. إن تقرير وكالة الطاقة الدولية يعد الأكثر تفاؤلا، حيث إن الآخرين يحذرون من تداعيات المخاطر العالقة للوباء وتجاهل المخاطر السلبية للطلب الناشئة عن ضعف الاقتصاد العالمي والتغيرات الدائمة في أنماط استخدام الطاقة.
من المؤكد أن قضية الموجة الثانية من العدوى تلقي بظلالها على مستقبل النفط الآني وعلى المدى الطويل، لكن هناك أيضا مشكلة المخزون النفطي. من المؤكد أن الأسعار كانت تتحسن على تلك المؤشرات المبكرة لتعافي الطلب، لكنها كانت تتحسن بشكل أساسي بسبب انخفاض الإنتاج، والتفاؤل العام أن الأمور ستتحسن في النهاية. حتى ذلك الحين، لا يزال هناك مئات الملايين من براميل النفط الخام في المخزون. إن سبب التفاؤل الحالي هو أن أسواق النفط تجاوزت أسوأ نقطة. إذا فكرنا في لحظة الأزمة حيث كان الطلب عند أدنى مستوياته وكانت الإمدادات في أعلى مستوياتها، فقد تجاوزنا ذلك الآن، لكننا لم نتعاف بالكامل بعد. قبل عشرة أعوام، كانت الصناعة النفطية من أوائل الصناعات التي خرجت من الأزمة دون أن تتأثر نسبيا، حيث كان الطلب قويا والأسعار عادت إلى مستويات مرتفعة. الآن، من المحتمل أن تكون الصناعة من بين آخر من يتعافى من الضربة المزدوجة لانهيار الطلب، بسبب الوباء وفائض الإمدادات الناتج عن الإنتاج المفرط. وأيضا يجب ألا ننسى التغيرات الدائمة الحاصلة في أنماط استخدام الطاقة والسياسات المتعلقة بالبيئة. لذلك بالنسبة لأولئك الذين يأملون في تعاف سريع لأسواق النفط، وارتفاع الأسعار لا تبدو البيانات والتوقعات مشجعة جدا حتى الآن. ولا يزال الوقت مبكرا قبل العودة إلى ما يشبه الوضع الطبيعي المستقر للأسواق.
إنشرها