اقتصاد إيران .. عقوبات ووباء

|
"دون حل مشكلات السياسة الخارجية فمشكلات الاقتصاد لن تحل"
حسن روحاني، رئيس إيران
لا تتوقف أركان النظام الإيراني عن إطلاق التصريحات العنترية في كل الاتجاهات، والمناسبات وغيرها. القاسم المشترك لهذه التصريحات في أوساط الشعب الإيراني ومعه العالم السخرية الصرفة من فرط افتقادها أي محتوى يمكن أن يلفت الانتباه أو يكون مادة للتحليل أو حتى للمناقشة. وكان آخر هذه التصريحات الهزلية، ما أعلنته طهران في أعقاب بدء تنفيذ قانون قيصر الأمريكي على نظام سفاح سورية والمتعاونين معه، وكل من يحاول مساعدته بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ماذا قال المسؤولون الإيرانيون؟ نحن ندين هذا القانون، ونتعهد بمساعدة سورية اقتصاديا، القانون نفسه الذي يستهدف هيئات وشخصيات سورية، موجه لحلفاء الأسد، ولا سيما ما يمكن وصفه بالمحور الإيراني في المنطقة، بما في ذلك العصابات والميليشيات الممولة من قبل إيران هنا وهناك.
لنترك هذا القانون جانبا، فسيضرب بقوة كل الجهات المشار إليها، إلا أن تأكيدات نظام علي خامنئي بمساعدة سورية، هي التي تثير السخرية عند الإيرانيين أولا والعالم ثانيا. فإيران تعاني منذ أعوام مشكلات أوصلت اقتصاد البلاد إلى حافة الهاوية، وهذا البلد يخضع أصلا لعقوبات دولية مختلفة، بسبب استراتيجية التخريب والتدخلات التي يعتمدها عمليا منذ وصوله إلى الحكم قبل أكثر من أربعة عقود. وشهد على مدى أعوام اضطرابات داخلية تحولت إلى انتفاضات شعبية في كل الأرجاء، نتيجة وصول الاقتصاد إلى أدنى المستويات، وانتشار الفساد، وتحويل العوائد المالية الوطنية لدعم الإرهاب في أي مكان يمكن لنظام خامنئي الوصول إليه. باختصار، استثمر النظام في الإرهاب، ولم يستثمر في أي مشروع تنموي مستدام. وكان عليه ممارسة أبشع أشكال القمع لإسكات الأصوات المحقة للمواطنين.
مع اندلاع وباء كورونا المستجد، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة انهيار أخرى، ولا سيما بعد أن اضطر إلى إغلاق الحراك الاقتصادي، رغم أنه حراك لا يشكل قيمة كبيرة أساسا، بفعل الأزمات التي يمر بها، بما في ذلك عدم قدرة البلاد على التعامل التجاري مع العالم خوفا من الغضب الأمريكي خصوصا. واستنادا إلى مؤشرات محلية، فهذا الاقتصاد سيواجه انكماشا يصل إلى 10 في المائة على الأقل قبل نهاية العام الجاري. فحتى الرئيس حسن روحاني، قال علانية، إن الاقتصاد لا يمكن فصله عن الأمن والسياسة، وإن الاتصال بالعالم الخارجي والسياسة الخارجية أمران مهمان. لكن السؤال هنا يبقى دائما، هل يمكن لروحاني القرار في التغيير إذا ما أراد ذلك؟ الجواب معروف للجميع وهو ببساطة لا كبيرة جدا.
لم تعد أرقام البطالة خبرا في إيران، لأنها ترتفع بصورة يومية حتى قبل انفجار كورونا، بل أصبح التراجع اليومي لقيمة التومان أمام العملات الأجنبية خبرا عاديا. وتدهورت هذه العملة بصورة كبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية التي خلفها الوباء، ما دفع البرلمان الإيراني إلى الموافقة على مشروع قانون يسمح للحكومة بحذف أربعة أصفار من التومان. وتفاقم الفقر إلى مستويات فلكية حقا. فقد كشف تقرير لمركز الأبحاث التابع للبرلمان الإيراني عن زيادة في خط الفقر بنسبة 80 في المائة في طهران نفسها. وهذه النسبة ترتفع أكثر من ذلك في بقية المدن والمناطق. والسبب المباشر في ذلك يعود إلى ارتفاع مخيف لنسبة التضخم، والانخفاض المتواصل لدخول الأفراد. كل هذا كان موجودا قبل الوباء، وتعمق أكثر بعده.
ولذلك زاد عدد الإيرانيين الذين يسكنون الكهوف، بعد أن عجزوا عن مواصلة السكن في منازلهم. ووسط هذه الأزمات المتلاحقة، عجز بعض المؤسسات الحكومية عن تسديد رواتب موظفيها في موعدها، فضلا عن توقف بعض الشركات الكبرى والمصانع عن العمل، لأسباب تتعلق بالعقوبات الدولية (ولا سيما الأمريكية) المفروضة على نظام خامنئي. ومنذ عامين لا يمكن لإيران أن تصدر أي منتج لأي بلد كان، بفعل العقوبات المشار إليها، ما زاد حدة التدهور الاقتصادي أيضا. وكما هو معروف، لم يستطع الاتحاد الأوروبي أن يشغل آلياته المالية الخاصة التي ابتكرها من أجل إيران، بعد أن تأكد أن الولايات المتحدة لن تسامح أي دولة لم تتبع هذا النظام، على اعتبار أنه وضع للالتفاف أصلا حول العقوبات.
المصائب الاقتصادية تتعاظم في إيران، والمصيبة الكبرى أن خامنئي الذي يتحكم في أكثر من نصف الاقتصاد الوطني للبلاد، لا يزال مستمرا في تنفيذ استراتيجية الخراب الداخلي والخارجي. وهو نفسه يسيطر على مؤسسات تتبع الحرس الثوري قدرت جهات دولية قيمتها بأكثر من 90 مليار دولار. لن يستطيع روحاني ولا أي شخصية في النظام في طهران، أن يغير الاتجاهات الراهنة من أجل تخفيف حدة الأزمة على الاقتصاد الوطني. فهذا الأخير مقبل على مرحلة أخرى جديدة ستكون أكثر فداحة، ولا سيما بعد أن فقد كثيرا من خصائصه وقدراته، في حين لا يوجد مؤشر واحد يدل على إمكانية أن يخفف النظام من شره المنتشر هنا وهناك.
إنشرها