هل مركزية الدولار في خطر؟

|
أصبح الدولار العملة الرئيسة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، على أثر انتصار أمريكا وتدمير أغلب اقتصادات الدول المهمة الأخرى، بعد أن تشارك في الدور الرئيس مع الجنيه الاسترليني في النصف الأول من القرن الـ 20. ليس الدولار أول عملة تصبح الرائدة ولن يكون الأخيرة، لذلك بعد 70 عاما في القمة ترتفع أصوات من مشارب مختلفة اقتصادية وسياسية تنادي وأحيانا تتمنى إزاحة سيطرة الدولار. ازدادت وتيرة الترقب على أثر الأزمات المتلاحقة في أمريكا، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية التي بدأت في أمريكا عام 2007-2008، ومن ثم تعامل أمريكا مع أزمة كوفيد - 19 وتبعاتها الاقتصادية، وأخيرا حدة الاستقطاب السياسي داخليا، التي أحد إفرازاتها قتل مواطن من ذوي البشرة السمراء على يد شرطي أبيض، وتكاثر توظيف الدولار لمعاقبة دول كثيرة لأسباب مختلفة، وأخيرا ظهور الصين منافسا اقتصاديا حقيقيا، حيث تشير التقديرات إلى أن حجم الاقتصاد الصيني يفوق الأمريكي قياسا على قوة الشراء التعادلية PPP في 2020، وكذلك تفوق الصين في أنظمة الدفع الإلكترونية الحديثة وتقليل استخدام النقد. ما زال الدولار هو العملة الرئيسة ليس بسبب حجم الاقتصاد الأمريكي فقط، لكن بسبب المنظومة المالية التي تخدم الدولار من قوة وسيولة أسواق المال وحرية تعامل أسواق رأس المال، والثقة بالمنظومة الأمريكية من قبل الآخرين ومركزية نيويورك لتعاملات الدولار، وشبه هيمنة أمريكا على المنظومة العالمية بعد اتفاقية بريتون وود بعد الحرب ممثلة في صندوق النقد والبنك الدوليين.
المعيار الأهم لمركزية الدولار يتمخض عن قبوله كعملة لاحتياطيات الدول الأخرى وهنا ليس للدولار منافس حقيقي حتى الآن. لكن هناك من الترقب ما دفع هنري بولصن الرئيس التنفيذي لـ"جولد مان ساكس" ووزير الخزانة السابق، أن يكتب مقالا مطولا في مجلة الشؤون الخارجية عن الموضوع يقول فيه، إن مصير الدولار سيتحدد في أمريكا وليس في الصين. يقول، إن التاريخ لا يعرف بلدا حافظ على الصدارة دون تحكم رصين في سياسة المالية العامة، خاصة استمرار العجز وارتفاع حجم الديون، إذ بدا واضحا أن هناك عجزا هيكليا يعالج مزيدا من قبل سياسة نقدية توسعية تساعد على تنامي الدين. استمرار هذا النهج مرهون بقبول الآخرين لأوراق الدين الأمريكية بسعر فائدة مقبول كما هي الحال، لكن هذا قد يتغير لأنه يعبر عن حالة عدم توازن. العجز والدين أحد أعراض التحدي الاقتصادي لكن لا بد من إصلاحات جذرية في السياسة، لتمكين الاقتصاد وجعله أكثر مرونة وتفاعلا مع التحديات الاقتصادية الجديدة خاصة في العصر التقني الجديد، فمثلا هناك حديث قديم عن تأخر البنية التحتية في أمريكا دون أخذ خطوات عملية مؤثرة. البديل مرهون بقدرة الصين على التفوق على نفسها من عدة نواح، حيث لا يكفي حجم الاقتصاد أو حتى حصة الصين من التجارة الدولية، لا بد من حرية تداول العملة دون قيود وسوق رأسمالية أكثر شفافية وسيولة، خاصة في أوراق الدين العامة والخاصة. تحاول الصين أن تصبح شنغهاي مركزا ماليا أسوة بنيويورك، لكن هذا رهينة درجة التحرر والانفتاح المالي وقبول الآخرين بالرينمنبي الصيني كعملة احتياط، وهذا ما زال نحو 3 في المائة وأحيانا أقل. استطاعت الصين التفوق تقنيا في أنظمة المدفوعات بالقفز دون المرور بتجربة أمريكا، لأن البنية التحتية لم تكن موجودة، ولذلك كان التحول الرقمي أسرع بكثير. إذ يبلغ حجم التعاملات الصينية نحو 41 تريليون دولار أغلبه من خلال شركتي علي بابا وتنسنت. كذلك شرع البنك المركزي في تأسيس عملة رقمية قبل المصارف الغربية، لكن هذه أحد صيغ النقود وليست نقودا مختلفة. في المدى المتوسط الصراع سيكون بين قدرة الصين على المحافظة على نمو أعلى من أمريكا والاستمرار في الانفتاح، وتفادي المخاطر من ناحية مقابل قدرة أمريكا على تلافي الأخطاء وتصحيح المسار المالي والاقتصادي. الموضوع مهم لنا حيث ارتباط الريال بالدولار وبيع النفط مقوما بالدولار إحدى قنوات العلاقة مع أمريكا، لكن ليس هناك تغير قريب يستوجب تغييرا في السياسات، لكن هناك أمران مهمان، الأول في الدائرة السياسية ونزعة أمريكا لتوظيف الدولار عقابيا وماليا من أخطار تنامي الدين وبالتالي ارتفاع تكلفته، إذ أحيانا ليست الإشكالية في الدين بقدر ما هي في تكلفته من ناحية وتوظيف أموال الدين اقتصاديا. أيضا هناك علاقة تجارية مهمة مع الصين، ولذلك ربما هناك ما يلزم من مراجعة دورية حتى تأسيس علاقة نقدية متواضعة مع الصين كسياسة احتياطية.
إنشرها