لماذا لم يقابل خروج العمالة الوافدة ارتفاعا بالتوطين؟

|
امتدادا لما سبق الحديث عنه، بخصوص الأهمية القصوى لإقرار برنامج لتوطين الوظائف العليا القيادية، التنفيذية في القطاع الخاص، لما يمثله من آلية عملية، تمتاز بنفاذية أقوى وأكثر دقة، تمكن البرنامج من الوصول إلى الوظائف المتمنعة المشغولة بالعمالة الوافدة في المستويات الإدارية الأعلى، وذات الأجور والمزايا المالية الأفضل، وتعد الوظائف الأكثر طلبا من الموارد البشرية الوطنية، والأكثر ملاءمة لهم من حيث المؤهلات العلمية اللازمة ومستويات الأجور المجدية، وهي أيضا الوظائف الأكثر تمسكا بها من طرف العمالة الوافدة المسيطرة عليها، التي لم تستطع برامج التوطين مجتمعة منذ مطلع 2011 حتى تاريخه أن تصل إليها، بل على العكس تماما فقد تنامت سيطرة العمالة الوافدة عليها، وأصبحت على مسافة أكثر بعدا عن الموارد البشرية الوطنية، وستزداد تلك المسافة اتساعا طالما افتقرت سوق العمل المحلية لبرنامج توطين فعال يستهدف تلك الوظائف تحديدا.
كان لافتا جدا أن يصل صافي انخفاض العمالة الوافدة إلى نحو 2.2 مليون عامل خلال الفترة 2017 ــ 2019، مقابل صافي ارتفاع العمالة المواطنة خلال الفترة نفسها بما لا يتجاوز 24.5 ألف عامل، وسرعان ما تنجلي غرابة تلك التطورات المتعاكسة تماما، حينما نتغلغل في صلب وتفاصيل تغيرات سوق العمل المحلية طوال الفترة، واكتشاف أن انخفاض العمالة الوافدة قد تركز على الوظائف الأدنى تأهيلا علميا والأدنى دخلا في السوق "3000 ريال/شهريا فما دون"، وهي الوظائف ذاتها التي لا تجد طلبا حقيقيا من قبل الباحثين والباحثات عن عمل من المواطنين، في المقابل أظهرت بيانات الوظائف الأكثر طلبا والأكثر ملاءمة والأعلى دخلا شهريا والمشغولة بعمالة وافدة خلال الفترة نفسها أن انخفاضها لم يتجاوز 28.8 ألف وظيفة فقط، أي ما لا تتجاوز نسبته من صافي انخفاض العمالة الوافدة 1.3 في المائة.
لا يمكن القول هنا فحسب إن باب خروج ورحيل العمالة الوافدة، يختلف كليا عن باب دخول وتوظيف العمالة الوطنية، بل لا بد من التأكيد أن الباب الحقيقي لدخول العمالة الوطنية ما زال موصدا بدرجة كبيرة في وجهها، والتأكيد أيضا أن التطورات السالفة أعلاه وغيرها مما سبق الحديث عنه في مقالات سابقة، تشير بوضوح تام إلى أن الفاعلية اللازمة لبرامج التوطين لا تزال أدنى بكثير من قوة سيطرة العمالة الوافدة، والنتائج الظاهرة على أرض الواقع في سوق العمل أصدق شاهد على هذا.
سابقا؛ تم اقتراح كثير من برامج التوطين، واقتراح أن ترتبط رسوم العمالة الوافدة بمستويات الأجور السنوية المدفوعة، عوضا عن وضعها الراهن بمبالغ محددة، أظهرت تضاؤل نسبتها إلى الأجور بالنسبة للأجور الأعلى، ولهذا شهدت سوق العمل ضغطا عاليا على العمالة الأدنى أجورا ولم يستطع كثير منهم تحملها، ما دفعها إلى إنهاء عقودها ومغادرتها البلاد، في الوقت ذاته الذي لم تجد الوظائف التي تركتها تلك العمالة إحلالا لها من قبل المواطنين الباحثين عن عمل، لعدم وجود طلب في الأصل من قبل المواطنين على تلك الوظائف، بينما ظلت الوظائف التي عليها الطلب في قبضة العمالة الوافدة الأعلى أجورا، وكل ذلك أدى بدوره إلى ارتفاع تكلفة العمالة الأدنى دخلا، وارتفاع معدل البطالة خلال الفترة نفسها أعلاه، وتزايد معوقات التوطين، وكل هذا ألقى بتبعاته العكسية على الجميع دون استثناء "أفراد المجتمع والأسر، أرباب القطاع الخاص، الاقتصاد الوطني"، باستثناء الرابح الوحيد بين كل الأطراف ممثلا في العمالة الوافدة التي أحكمت سيطرتها على دفة اتخاذ القرار في منشآت القطاع الخاص، والمقدر عددها بنحو 571 ألف عامل وافد، وإضافة الوظائف المتوسطة من حيث المستويات الإدارية والأجور الشهرية، سترفع إجمالي تلك الوظائف المجدية في مختلف منشآت القطاع الخاص إلى نحو 939.5 ألف وظيفة، وفقا لأحدث بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية "الربع الأول 2020"، وهو المجموع من الوظائف التي تتجاوز بعددها إجمالي أعداد العاطلين عن العمل من المواطنين والمواطنات، الذي يستقر عند أدنى من 800 ألف عاطل وعاطلة.
لقد تأكد لنا جميعا أن فاتورة غياب إقرار برنامج لتوطين الوظائف العليا "القيادية، التنفيذية"، لا تقف عند مجرد استمرار معدل البطالة مرتفعا، بل تتجاوزه إلى إرباك أعمال القطاع الخاص، والتسبب في ارتفاع تكلفة خدمات العمالة الوافدة الأدنى دخلا، وارتفاع معدل التضخم، واستمرار ارتفاع مستويات الحوالات إلى خارج الحدود، عدا ما يرتبط بهدر كثير من الأموال على عديد من برامج التوطين، التي جاءت نتائجها أدنى بكثير مما تم إنفاقه عليها، ومن الجهود التي تطلبتها.
وتأكد لنا جميعا أن إقرار هذا البرنامج خلال الفترة الراهنة، المتوقع أن تتضاعف خلالها مع انتشار الجائحة العالمية لفيروس كورونا كوفيد - 19 الضغوط على سوق العمل المحلية، أؤكد أن إقرار البرنامج أصبح ضرورة ملحة، وأن لا متسع لتأخر إقراره أكثر مما مضى، بالنظر إلى توقعات فقدان العمالة الوطنية وظائفها تحت الضغوط الراهنة، سيضافون إلى الأعداد المرتفعة الراهنة للمتعطلين ذكورا وإناثا من المواطنين، عدا مخرجات التعليم التي ستنضم قريبا إليهم طلبا لفرص العمل، وكل هذا سيكون بالغ الصعوبة إلى حد بعيد جدا، بحال بقيت أوضاع برامج التوطين على أوضاعها السابقة، ولم تشهد إقرار برنامج فاعل يستهدف توطين الوظائف العليا "القيادية، التنفيذية".
إنشرها