الاستشراف صناعة وليس ترفا فكريا «3»

|
عودا على بدء، ذكرت في المقالين السابقين من هذه السلسلة، أهمية الدراسات المستقبلية أو استشراف المستقبل، كونها من أهم أدوات التقدم والتطور في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية وغيرها، وأضفت أن الخطط الاستراتيجية على مستوى الاقتصاد الكلي أو الجزئي لن تكتمل أركانها، ولن تتحقق أهدافها المرجوة إلا بوجود مراكز معتبرة تقوم بصناعة دراسات مستقبلية استشرافية مبنية على بيانات ذات جدوى، يقوم بمعالجتها مختصون فينتج عن ذلك معلومات ذات قيمة تغذى بها هذه الدراسات فتنعكس إيجابا على مخرجاتها ودقتها. سلطت الضوء في المقال السابق على حقيقة أن مخرجات هذه الدراسات ليست مسلمات، بل يجب أن تخضع مدخلاتها للتمحيص الدوري من قبل جهات تتسم بالديناميكية، حيث قد يطرأ عليها تغير جزئي أو كلي نتيجة تطورات قد تحدث لم تكن في نطاق الاحتمالات، ستنعكس بلا شك على دقة مخرجاتها. هذا التغير قد يكون بنسب مقبولة أحيانا، ونسب مفاجئة أحيانا أخرى، وقد أوضحت أهمية استشراف قطاع الطاقة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، ودعمت ذلك بمثال من أرض الواقع حول تغير توقعات مراكز معتبرة للدراسات المستقبلية خلال الأعوام القليلة السابقة لمستقبل الطاقة المتجددة وحصتها السوقية المتوقعة بين مصادر الطاقة الأخرى في العالم. مع بزوغ نجم النفط الصخري الأمريكي الذي أوجد له مكانا مؤثرا في معادلة النفط العالمية، قام كثير من مراكز الدراسات المستقبلية باستشراف مستقبله. في عام 2016 توقع بعض الدراسات أن يصل إنتاج النفط الصخري الأمريكي إلى 8.5 مليون برميل يوميا بحلول عام 2035، لكن فاجأ النفط الصخري الأمريكي كثيرا من المختصين والمهتمين، حيث بلغ إنتاجه 9.1 مليون برميل يوميا في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2019، هذه الأرقام لا تدل بالضرورة على ضعف مراكز الدراسات المستقبلية في قراءة المستقبل واستشرافه، فكما ذكرت سابقا مخرجات هذه الدراسات قد تنحرف كثيرا عن الواقع، بسبب تغيرات فنية أو أحداث طبيعية أو أمنية أو تشريعات حكومية تطرأ وتؤثر بصورة حادة في دقة مخرجات هذه الدراسات. أهمية الدراسات الاستشرافية ليست حكرا على الاقتصاد الكلي، ورسم سياسات الدول المالية والتنموية، بل تنسحب أهميتها كذلك على الاقتصاد الجزئي. وجود دراسات مستقبلية رصينة يساعد صناع القرار والمستثمرين بفاعلية لتوجيه استثماراتهم إلى القطاعات الواعدة، ويجعل رأس المال أقل جبنا، ما سينعكس إيجابا على تدفق السيولة الاستثمارية الداخلية أو الخارجية التي ستعزز الاقتصاد الكلي بلا شك. هكذا دراسات ستدعم قرارات الشركات القائمة في اتخاذ قرارات دقيقة في عمليات التوسع والاندماج والاستحواذ، وستلقي بظلالها أيضا على توطين الصناعات وتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال للمساهمة في رفع المحتوى المحلي، بل زيادة الصادرات الوطنية. كثير من الأسئلة تدور في ذهني، لنقف عليها ونتأملها ونسبر أغوارها: هل تعد الدراسات المستقبلية أداة متاحة وفاعلة لصناع القرار لدينا في القطاع الخاص، أم أنها أداة معطلة تحتاج إلى تفعيل؟ هل آن الأوان لوجود مراكز استشرافية مختصة تخدم القطاعات المختلفة؟ هل وجود مكاتب للرصد والاستشراف على غرار مكاتب إدارة المشاريع في الوزارات والهيئات والبرامج بات ضرورة؟ هذه الأسئلة ستكون لبنة المقال المقبل بإذن الله تعالى.
إنشرها