أوهام الخلافة .. العروبة بالمرصاد

|

ليست هناك حلول وسط لدى السعودية في مسألة العلاقة المتميزة بمصر، خاصة التي تهم المصير العربي المشترك من ناحية الأمن والقضايا العربية المصيرية. فهذه العلاقة التي تستند إلى معايير الأشقاء ووحدة المصير، تستند أيضا إلى المصلحة العربية في كل شيء.
لذلك، تقف السعودية اليوم مع مصر "كما تقف معها في كل شيء"، في موقفها وتحركها تجاه الغزو التركي لليبيا الشقيقة، الذي يهدف بصورة واضحة إلى بسط احتلال "عثماني" جديد، في سياق محاولات رجب طيب أردوغان في إحياء هذه المرحلة الاستعمارية المشينة.
فهو يعلم قبل أي شخص أو جهة، أنه يلاحق أوهاما لن تقوده إلا إلى مزيد من الفشل على الساحتين العربية والدولية، إضافة إلى الانهيار المحلي، اقتصاديا وسياسيا. الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، رسم بوضوح الخطوط الحمراء التي لا يمكن لأي جهة إرهابية في ليبيا أن تقفز عليها، ووقوف السعودية معه جاء لحماية التراب المصري، بل لصيانة الأمة العربية من أي عدوان على شاكلة العدوان التركي الراهن.
فالجيش المصري هو جيش العرب من أجل حماية حدود العالم العربي، وهو قادر على ذلك بحكم خبرته في الحروب، فهو قوي وجاهز للرد على أي عدوان جائر وبغيض.
المشكلة التي تتخذ منحى مخزيا، أن قطر الدولة الخليجية العربية، تمول الأعمال العدوانية التركية هذه، التي تستهدف تحقيق آمال استعمارية "عثمانية" لدول عربية. وتسخر الأموال والعتاد الحربي وتجند المرتزقة والإرهابيين من بقايا كتائب "داعش"، وتعتقد تركيا، التي تمثل الذراع العسكرية لهذا التحالف المتهالك، أنها تسعى واهمة إلى تحقيق أحلام قديمة لإعادة بسط السيطرة العثمانية على الأراضي العربية، ومن ورائها فلول قيادات الإخوان المسلمين المطرودين من بلادهم. لكن كل هذا لا قيمة له أمام التحركات العربية الضامنة، المتمثلة في السعودية ومصر، الدولتين المحوريتين على الساحة الإقليمية، إضافة إلى بقية الدول العربية الأخرى، التي تعرف مدى خطورة محاولات التوسع التركية هنا وهناك، خصوصا أنها تستند - كما يعرف الجميع - إلى أوهام تاريخية صارت تدعو إلى السخرية منذ قرون. على أردوغان أن يعلم، أن أحلامه في الخلافة العثمانية في ليبيا لن تتحقق، بصرف النظر عن محاولاته الخطرة التي يقوم بها على هذه الساحة، بما في ذلك إرسال المرتزقة للوقوف ضد إرادة الشعب الليبي، الرافضة لأي تدخل أجنبي في هذا البلد.
لن تنفع أردوغان أيضا رعايته تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، الذي يعيش تحت جناحه منذ أن وصل إلى السلطة في أنقرة، فمصر بشعبها وقيادتها الحالية قادرة على الوقوف في وجه كل المخططات الإخوانية التي تستهدف ليبيا على أمل نقلها إلى داخل مصر نفسها.
السعودية التي أعلنت وقوفها الكامل مع مصر، هي بذلك تحمي الأمن القومي العربي، الذي يمثل حجر الزاوية لأي دولة عربية طبيعية ضمن النطاق القومي. ومن هنا، فإن التحرك المصري الأخير ليس إلا صمام أمان للأمن العربي، الذي يواجه اضطرابات أصلا منذ أعوام عدة.
فالقاهرة لن تسمح بأي تهديد آخر جديد لهذا الأمن، خصوصا من جهات تدعي انتسابها إلى الدين الإسلامي، لكنها تعمل بأخلاقيات المستعمر والمحتل والخائن أيضا، مستفيدة من عمالة جماعة مثل الإخوان المسلمين، إضافة إلى عصابات مسلحة ومرتزقة من هنا وهناك.
اتخذت القاهرة موقفها الأخير من مسألة تهديد حدودها، وكذلك الأمن القومي العربي في ليبيا، وهي تطالب منذ مدة طويلة بضرورة اللجوء إلى الحل السياسي بين الأطراف المعنية في البلد الشقيق. وهذا التوجه يصب أيضا في الموقف السعودي، الذي يدعو إلى الحل السياسي، وعدم السماح للأطراف الخارجية الأجنبية بأن يكون لها دور حقيقي على الأرض، لتجنب الانفلات الأمني الذي يحدث حاليا على الساحة المحلية. فالكل يعرف الأجندة التركية منذ قرون حيال العالم العربي، وهي أجندة تستند إلى الكراهية العميقة لكل ما هو عربي.
ولن يتوقف رجب طيب أردوغان عن مواصلة استراتيجيته "العثمانية" القديمة والغريبة في الوقت نفسه، طالما وجد مرتزقة وممولين له، وفي مقدمتهم النظام القطري. وبالتالي، لن تتوقف مصر والسعودية، وبقية الدول العربية، عن الوقوف في وجه هذا المد الاستعماري، سواء في ليبيا أو في أي بلد عربي آخر. والسعودية هنا موقفها واضح وصريح، من خلال دعمها غير المحدود للشقيقة مصر، تجاه أوهام وأحلام أردوغان الاستعمارية وكل من سار في ركبه وتواطأ معه ودعمه بأي طريقة كانت.

إنشرها