سبحة عبدالرحمن

|
قبل أعوام زرت برفقة صديق لي صديقا آخر. كانت زيارة شيقة. تبادلنا الأحاديث والآمال والآلام والمحبة. استمتعنا بكل لحظة، ومر الوقت بسرعة مثل أي لقاء جميل. فور أن قفلنا عائدين إلى منازلنا، ونحن في سيارتي تلقينا اتصالا من صديقنا الذي استضافنا بسخاء في منزله. أخبرنا أنه عثر على "سبحة" صديقي عبدالرحمن على الطاولة، وخيرنا إما أن نعود إليه ونأخذها، أو يرسلها إلى منزل عبدالرحمن غدا.
لم يفكر صديقي طويلا. سألني أن أعود إلى منزل مضيفنا حالا.
استغربت هنا حرصه الشديد على تلك السبحة، وسألت عبدالرحمن ساخرا: "لن تطير سبحتك. لم لا ننتظر إلى الغد. شارفنا على الوصول إلى منازلنا؟".
أجابني وهو يضغط على كتفي بقوة حتى كاد يخلعه: "عبدالله، لا تعلم مكانة هذه السبحة في داخلي. سعرها رخيص، لكنها غالية جدا علي".
لقد حصل عليها من ابنه فهد عندما تمت ترقيته. فرغم أن ابنه طالب في المرحلة الثانوية، إلا أنه آثر أن يجمع من مصروفه اليومي ويشتري تلك السبحة لأبيه.
يقول أبو فهد وهو يصف نظرات ابنه وهو يشاهده في كل مرة وهو يسبح باستخدام السبحة: "أشعر بسعادته الغامرة وفرحه الكبير".
يسألني: "كيف تعتقد أنه سيقابل موضوع فقداني السبحة؟".
لا ندرك أحيانا قيمة الأشياء لدى الآخرين. ننظر إلى الزاوية المادية متجاهلين الزوايا الأخرى الأكثر أهمية.
فلكل شيء نقتنيه ذكرى لا يمكن أن نستعيدها ونعيدها. هذه الذكرى هي التي تمنح كثيرا من الأشياء قيمة ورمزية لا تقدر بثمن.
من يحب ويقدر شخصا عليه أن يحتفظ بما يصل إليه ويتلقاه منه ويعتني به. ليست الماديات فحسب، إنما حتى الكلمات. اغرسها في صدرك جذرا، تنمو وتترعرع جذعا. كلما حافظنا عليها حافظت عليهم. صدى الأفعال أكثر تأثيرا من صوت الأقوال.
إن الحرص والاهتمام الذي أظهره صاحبي بخصوص السبحة التي تلقاها من ابنه يؤكدان لي ولك حقيقة دامغة، مفادها: لا تحدثني عن حبك، بل دعني أراه.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها